آخر المقالات

السبت، 22 سبتمبر، 2007

احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق -1


احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق (1) معركة الفلوجة بشهادة كل الأطراف كانت معركة التاريخ والعراق والاحتلال، وهي المدينة التي حطمت المشروع الامريكي في العراق والمنطقةطائرات الجيش بيعت بسوق الخردة وعائلات طالبت بتملك التلفزيون العراقي باعتباره من مخلفات النظام البائد.



منقول من القدس العربي
22/09/2007


يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير بلا حدود علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق.
و القدس العربي تنفرد بنشر فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حولتها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام .لقد واجهت قواتنا أسبوعاً قاسياً... وأنا أصلي كلَّ يوم من أجل أن تتراجع الخسائر.
بهذه اللغة المليئة بالهزيمة والانكسار خاطب الرئيس الأمريكي جورج بوش بعض عائلات القتلي الأمريكيين في العراق في خطاب ألقاه في قاعدة فورت هود في تكساس في الحادي عشر من نيسان/ابريل عام 2004 حيث كانت قواته المدجَّجة بأحدث أنواع الأسلحة والتدريب في العالم، تتقهقر وتنهزم أمام بضع عشرات من المقاتلين العراقيين في معركة الفلوجة الأولي.وفي خطابه الأسبوعي الإذاعي الذي بُثَّ في نفس اليوم قال بوش مخاطباً الأمريكيين بنبرة مليئة بالحزن والهزيمة: هذا الأسبوع في العراق واجهت قوات التحالف تحدياً ونقلت القتال إلي ساحة العدو .
وأضاف: وإن إرادتنا الدفاعية سوف تستمر خلال الأسابيع المقبلة . في هذا الوقت كما قال بوش أصبح الأمريكيون في إطار الإرادة الدفاعية وليس الهجومية، أي إرادة المنهزم، وهذا ما عبَّرت عنه وكالة الأنباء الفرنسية في تقرير نشرته في نفس اليوم جاء فيه: إن معركة الفلوجة أفقدت الأمريكيين منزلة المقاتلين الذين لا يُقهرون حيث عجز أقوي جيش في العالم عن تحقيق انتصار علي مقاتلين يقاومون بأسلحة خفيفة مثل الفلوجة . لقد كانت معركة الفلوجة هزيمة مدوية لأقوي جيوش العالم.
وفي ليلة الرابع عشر من نيسان/أبريل 2004 ظهر بوش يحمل كل علامات الهزيمة علي وجهه بينما كان يجيب الصحفيين عن سؤال حول طلب قائد المنطقة الوسطي الجنرال جون أبي زيد لمزيد من القوات لمواجهة المقاومة الشرسة للقوات الأمريكية في الفلوجة والعراق، فأجاب بوش: إذا كان هذا ما يريده فسوف يحصل عليه . ثم أضاف بوش الذي بدا متأزماً إلي حد بعيد: لقد أصدرت أوامري للقادة العسكريين بعمل ما أمكن لاستخدام القوة الحاسمة إذا تطلَّب الأمر للحفاظ علي النظام ولحماية قواتنا .
وقال: إن عواقب الفشل في العراق سيكون من الصعب تخيلها مشيراً إلي أنه في حال حدوث ذلك فإن جميع أعداء أمريكا في العالم سيفرحون، معلنين ضعفنا وتراجعنا، وسيستخدمون هذا الانتصار لتجنيد جيل جديد من القتلة في المنطقة .
هكذا كان بوش يعيش مع إدارته وقواته حالة الهزيمة بكل أبعادهالقد دخلت الفلوجة السجل العسكري الأمريكي علي أنها رمز المقاومة في العراق وأنها المدينة التي هزمت الجيش الأمريكي أقوي جيوش العالم، وأنها المدينة التي حطمت المشروع الأمريكي في العراق والمنطقة، كما أنها المدينة التي دقت المسمار الكبير في نعش الامبراطورية الأمريكية، وهي المدينة التي أذلت بوش ورجاله وبالتالي لا بد من الانتقام من الفلوجة وأهلها بل وحتي من بيوتها وشوارعها وأحجارها ومياه نهر الفرات الذي يمر من حدودها الغربية، وكل مظاهر الحياة فيها.
وما كان يحدث في ذلك الوقت لم يكن سوي جانبٍ من الانتقام من أهلها ومحاولة كسر شوكة المقاومة بها، والمبررات الأمريكية لكل الجرائم الأمريكية التي ترتكب كانت دائماً جاهزة، تساعدها آلة إعلامية عالمية هائلة، وحكومة عراقية عميلة هدفها استرضاء المحتل بأي ثمن.وقد كان بوش يتابع معركة الانتقام من الفلوجة بنفسه يوماً بيوم وساعة بساعة، وفي يوم الأربعاء 10 تشرين الثاني/نوفمبر أعلن بوش أن: العمليات تجري في الفلوجة علي ما يرام وقال للصحافيين في ختام لقاء عقده في البيت الأبيض مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ياب دو هو شيفر: التقيت المسؤول عن العمليات الميدانية أمس الجنرال كايسي وقال: إن الأمور تجري علي ما يرام في الفلوجة وأنهم يبذلون جهوداً جيدة لبسط الأمن في البلاد .
ولا زالت الفلوجة بعد مرور ما يقرب من أربع سنوات علي حرقها وتدميرها محاصرة من القوات الأمريكية ولا يسمح لغير أهلها بدخولها، مع تعتيم تام علي جرائم الإبادة التي ارتكبتها القوات الأمريكية فيها.
ولأن معركة الفلوجة بشهادة كل الأطراف كانت معركة التاريخ والعراق والاحتلال ومستقبل العراق، فقد سعيت لإعداد هذا الكتاب حتي لا تكون الفلوجة ومعركتها الفاصلة في نهاية الأمر مجرد سطر في كتب التاريخ، وكتابتي هنا في معظمها كتابة شاهد عيان حيث كنت علي رأس فريق قناة الجزيرة الذي قام بتغطية معركة الفلوجة الأولي في نيسان/أبريل من العام 2004 من بداية الحصار للمدينة وحتي انهياره. وكما نجح رجال المقاومة المدافعون عن المدينة في تحقيق هزيمة مدوية للقوات الأمريكية التي تشكل أقوي جيوش العالم خلال ستة أيام ومنعوهم من اختراق المدينة أو دخولها، حرص الأمريكيون في معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي كانت معركة الانتقام والتدمير للمدينة أن يتموا عملية الحرق والإبادة خلال ستة أيام أيضا كما قال قائد المارينز الميجور جنرال ريتشارد ناتونسكي.وفي هذا الكتاب سيجد القاريء القصة التي لم ترو من قبل عن معركة الفلوجة أو التي رويت متناثرة في مئات المصادر، وسيدرك كيف كانت معركة الفلوجة هي معركة العراق ومعركة التاريخ الذي تغير بالكامل بعدها.
فالتاريخ الذي كان يخطط بوش لصناعته في العراق والمنطقة مستخدماً أقوي جيوش العالم، أُحبط ودُمِّر وتغير علي مداخل الفلوجة، وعاشت الولايات المتحدة الهزيمة منذ تلك المعركة في نيسان/أبريل 2004 ولا زالت وستظل تعيشها حتي تخرج بجيوشها مهزومة من العراق، وربما ستظل تعيشها لعقود يمكن أن تؤدي كما قال مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي في كتابه الفرصة الثانية الذي صدر في آذار/مارس 2007 إلي نهاية المشروع الامبراطوري الأمريكي في المنطقة.
بدأ اجتياح المدينة مساء السابع من تشرين الثاني/نوفمبر بعد إعلان علاوي حالة الطواريء في العراق وأغلق حدوده البرية والجوية، إنها معركة الانتقام من المدينة التي هزمت الامبراطورية الأمريكية، كان بوش ورامسفيلد وباول يديرون المعركة، التي شارك فيها عشرون ألف جندي أمريكي خلاف المرتزقة العراقيين والأجانب، وقد وصفت بالتفصيل أهوال الجحيم التي عاشها أهل الفلوجة من خلال شهادات من نجا من تلك الجريمة البشعة حيث تشير التقديرات إلي أن مئة ألف من أهل المدينة كانوا بداخلها.
تحدثت عن جرائم القوات الأمريكية من خلال شهادات الشهود وكذلك بطولات المقاومة من خلال شهادة الجنود الأمريكيين، وكيف كبَّد رجال المقاومة الذين كانوا لا يزيدون عن ألفين حسب أعلي التقديرات القوات الأمريكية عدداً كبيراً من القتلي والجرحي مما جعل بوش ورجاله يحرقون المدينة بالفوسفور الأبيض والأسلحة الكيماوية بعد المقاومة الشرسة التي واجهوها في الأيام الأولي، ثم قدمت إحصاء في النهاية لقتلي الفلوجة الذين كانوا ضحية هذه الجريمة.

العراق قبل معركة الفلوجة الأولي

كانت الساعة قد جاوزت منتصف الليل بقليل حينما كنت أجلس في غرفة الأخبار التي كان الزملاء في مكتب قناة الجزيرة في بغداد قد انتهوا للتو من تجهيزها وافتتاحها في مقر المكتب الذي كان يقع في فندق بحيرة البجع المطل علي ساحة كهرمانة في حي الكرادة في مدينة بغداد، وبينما كنت مستغرقاً في مراجعة تقرير صحفي أعددته عن زيارتي لمدينة سامراء، فجأة.. دق جرس الهاتف، فقام الزميل حامد حديد الذي كان يجلس إلي جواري بالرد عليه.
أفقت من استغراقي في مراجعة ما كتبت علي وقع تساؤلات من حامد يطرحها علي المتحدث من الطرف الآخر الذي فهمت مباشرة أنه مدير قناة الجزيرة وضاح خنفر الذي كان يتحدث من مقر القناة الرئيسي في الدوحة.
أدركت من مسار المكالمة أن هناك شيئاً غير عادي يحدث في مدينة الفلوجة أو حولها، وحينما أنهي حامد مكالمته التفت إليَّ وقال: وضاح يقول إن لديه معلومات تفيد بأن هناك قوات أمريكية بأعداد كبيرة قد طوقت مدينة الفلوجة وحاصرتها، وطلب مني تحري الأمر ومعرفة ماذا يدور هناك . قلت له: إن الساعة قد جاوزت منتصف الليل، فكيف يتم معرفة ذلك؟ ، قال: سوف نتصل بمراسلنا في الفلوجة حسين دلي ونعرف ماذا يدور هناك .
وقام حامد بالاتصال بالزميل حسين دلي مراسل الجزيرة المقيم في مدينة الفلوجة وأخذ يتحدث معه ويستفسر منه، وكان واضحاً من مسار المكالمة أن حسيناً لا يعرف شيئاً عما يدور خارج المدينة، وطلب من حامد أن يمهله قليلاً حتي يخرج من بيته ويدور في بعض الشوارع ويصل إلي أطراف المدينة حتي يري ما إذا كانت هناك أية تحركات غير عادية أو قوات أمريكية قريبة من مداخل المدينة.وبعد ما يقرب من ساعة اتصل حسين وأخبرنا بعد جولة قام بها في أحياء المدينة وعلي أطرافها القريبة أن المدينة هادئة وليس هناك شيء غير عادي يدور داخلها أو علي مخارجها القريبة يفيد بأنها قد تمت محاصرتها.
تداولنا في الأمر بعد ذلك، ووضعنا كافة الاحتمالات أمامنا وما الذي يتوجب علينا فعله لا سيما وأن الوضع كان متوتراً للغاية في الفلوجة بعدما قام رجال المقاومة في 31 آذار/مارس 2004 بالهجوم علي سيارة تقل بعض المرتزقة الذين يعملون مع القوات الأمريكية وقتلوا أربعة منهم احترقت بهم سيارتهم بعد قتلهم، ثم قام عامة الناس بسحل بعض جثث المرتزقة في الشوارع، مما أعاد سيناريو الصومال مرة أخري بعدما نقلت وكالات الأنباء الصور إلي كافة أنحاء العالم.
وكان مراسل الجزيرة حسين دلي من بين الذين تمكنوا من التقاط صور مميَّزة لما حدث تمَّ بثُّها علي شاشة قناة الجزيرة وعلي شاشات التلفزة العالمية، بعدها لم تتوقف تهديدات المسؤولين الأمريكيين وعلي رأسهم الرئيس بوش من أن هذا الحادث لن يمر دون الانتقام ممن قاموا به، وفي لحظات الترقب هذه جاءنا خبر تطويق القوات الأمريكية للمدينة ليل الأحد الرابع من نيسان/أبريل من العام 2004 .
كانت ترتيباتنا في قناة الجزيرة لتغطية يوم التاسع من نيسان/أبريل 2004 والذي يصادف ذكري مرور عام علي الاحتلال الأمريكي للعراق هي تكوين أربع فرق تلفزيونية تتواجد في أربع مناطق رئيسية تغطي أنحاء العراق، علي رأس كل فرقة أحد مقدمي الأخبار أو البرامج المميزين.
الفريق الأول يكون مقره في بغداد وعلي رأسه الزميل محمد كريشان، والفريق الثاني في أربيل شمال العراق وكان مقرراً أن يكون الزميل غسان بن جدو علي رأسه، لكن مهمة هذا الفريق لم تتم ولم يأت غسان لأسباب لم أعرفها ولم أسأل عنها.
أما الفريق الثالث فقد كان مقرراً أن يتواجد في كربلاء والنجف وأن يكون علي رأسه الزميل عبد القادر عياض الذي رافقني من الدوحة وقام بتقديم بعض حلقات برنامج المشهد العراقي، لكن عبد القادر بقي بعد ذلك في بغداد لمشاركة محمد كريشان في تقديم أحداث التاسع من نيسان/أبريل، أما الفريق الرابع فقد تقرر أن يكون مقره مدينة الفلوجة وكلفت أنا أحمد منصور أن أكون علي رأسه، علاوة علي ذلك كان لديَّ مهام أخري عديدة، منها تقديم عدة حلقات من برنامجي بلا حدود مع بعض القادة العسكريين الذين عايشوا معركة بغداد الأخيرة في العام 2003 وتقديم جانب من الصورة الخفية لهذه الحرب وخفاياها.
وقدمت حلقتين بالفعل من برنامج بلا حدود آنذاك مع خمسة من كبار العسكريين العراقيين الذين تيسَّر لي لقاؤهم أو الذين قبلوا الحديث معي حيث ان الأمر لم يكن سهلاً في ظل تجريم سلطات الاحتلال ومجلس الحكم آنذاك لمعظم العراقيين الذين عملوا مع النظام السابق. الأمر الآخر هو البحث عن ضيوف لبرنامجي الآخر شاهد علي العصر من صناع القرار والمسؤولين العراقيين السابقين، لذلك حينما جلسنا في مكتب قناة الجزيرة نتدوال في أمر الفلوجة بعدما أبلغنا وضاح خنفر بحصارها ليل الأحد الرابع من نيسان/أبريل انتهينا في نقاشنا الذي امتد إلي قرابة الثانية بعد منتصف الليل إلي أن أتحرك صباح الاثنين الخامس من نيسان/أبريل مع فريق العمل الذي كان من المقرر أن يصحبني يوم التاسع من نيسان/أبريل إلي الفلوجة، وأن ندخل إلي المدينة ونبقي بها إلي التاسع من نيسان/أبريل.
هكذا كان تصورنا، فالصورة لم تكن واضحة لدينا بعد، ولم نكن نعلم أن المدينة قد حوصرت من كافة الطرق والجوانب، حتي الطرق الفرعية أغلقتها القوات الأمريكية، ولم يعد هناك أي مجال للدخول، ولأن الإرهاق قد بلغ بي مبلغه وكذلك الزملاء الذين كانوا معي فقد قررنا أن نخلد إلي النوم ولو قليلاً حتي نتمكن في الصباح من القيام بمهمتنا الشاقة التي لم نكن نعلم أي شيء عن تفاصيلها.ولكن قبل أن نبدأ طريقنا إلي الفلوجة لنتعرف أولاً عن وضع العراق قبل معركة الفلوجة الأولي وتحديداً بعد عام من الاحتلال الأمريكي؟

العراق بعد عام من الاحتلال

كنت أتجول بعد عام من الاحتلال الأمريكي للعراق، وتحديداً في الثاني من نيسان/أبريل من العام 2004 ، في السوق القديم لمدينة سامراء ـ إحدي أقدم مدن العراق ـ حيث أحب دائماً أن أتجول في أسواق المدن القديمة رغم الأوضاع غير الآمنة التي كانت تعم العراق، ورغم أني كنت أحاول إخفاء ملامحي بوضع قبعة علي رأسي ونظارة شمس سوداء علي وجهي حتي أتحاشي فضول من يمكنهم التعرف عليَّ من خلال مشاهدتهم لبرامجي التليفزيونية، رغم كل ذلك اقترب مني فجأة عجوز عراقي وأمسك بيدي وقال لي وهو يتفرس في وجهي:
ألست أحمد منصور؟ قلت له وأنا أبتسم: نعم، قال بشكل مباشر: أريدك أن تبلغ الناس بأن ما فعله الأمريكيون في العراق من خراب ودمار علي مدار عام واحد من الاحتلال هو أكبر مما فعله صدام حسين علي مدي خمسة وثلاثين عاماً، نحن لم نكن نحب صداماً، لكن الأمريكان أسوأ منه ألف مرة ، وظل الرجل يتحدث في هذا الإطار بضع دقائق فأنصت إليه أدباً ثم ودعته ومضيت.
وفي ذلك اليوم الذي نزلت فيه ضيفاً علي الشيخ ناهض السامرائي التقيت مع كثير من أهل سامراء ووجهائها، وروي لي كثير منهم ما قامت به القوات الأمريكية في سامراء وما حولها طوال عام من الاحتلال مما سيأتي ذكره فيما بعد.
وفي اليوم التالي الثالث من نيسان/أبريل 2004 التقيت في بغداد الدكتور علي المشهداني رئيس رابطة خبراء النفط العراقيين حيث انه كان أحد الضيوف الذين رتبت معهم أن يشتركوا معي في التغطية المزمعة من الفلوجة في التاسع من نيسان/أبريل، وقد سمعت منه نفس الكلام الذي قاله لي عجوز سامراء ولكن بلغة علمية وبأرقام وإحصاءات خبير في النفط والاقتصاد والمعلومات.وكان خلاصة ما قاله لي الدكتور المشهداني آنذاك هو: إن مجموع ما خسره العراق خلال عام واحد من الاحتلال الأمريكي بلغ 475 مليار دولار . فقلت له متسائلاً بتعجب: هذا رقم ضخم للغاية فعلي أي أساس حسبته وقدرته يا سيدي؟ ، قال: لم أحسبه ولم أقدره وحدي، وإنما جلسنا مجموعة من الخبراء العراقيين في النفط والاقتصاد ووصلنا إلي هذه المحصلة الحقيقية من خلال ممتلكات ومخصصات الدولة، فالخسائر المالية لا تحسب علي ما فقد أو ضاع ولكن لها حسابات أخري، فقبل سقوط نظام صدام حسين كان %90 من مدخول العراق النفطي يوجه إلي التسلح، والآن تم تدمير كافة ممتلكات الدولة من السلاح والمعدات والمصانع الحربية والمطارات والمنشآت.
فالطائرات العراقية الحربية وكان معظمها محفوظاً في المزارع وصالحاً للطيران تُقطع الآن بمناشير خاصة إلي أجزاء وتبيعها سلطات الاحتلال بالطن كحديد خردة، ويباع الطن بقيمة ثلاثين دولاراً فقط، وهذا يعني أن الطائرة التي كان ثمنها عدة ملايين من الدولارات اقتطعت من أموال الشعب العراقي ومقدراته تباع الآن كخردة للمقاولين بعدة مئات من الدولارات، وأن الدبابة تي 72 الصالحة للاستخدام والتي يزيد وزنها عن 40 طناً والتي كان ثمنها يزيد عن مليون دولار تباع الآن بحوالي ألف دولار بعدما يتم تقطيعها إلي أربع قطع بمناشير خاصة جلبها المقاولون ويتم شحنها إلي خارج العراق حيث تباع كخردة ولا أحد يسأل سلطات الاحتلال عما تفعل، لأنه ليس هناك سلطة لأحد كي يسأل .
أصابني كلام الدكتور المشهداني بالصدمة، لأن مثل هذه الحقائق لا يعلم بها كثير من الناس، كما كان كثيرون لا يزالون ـ في ذلك الوقت ـ بعد عام من الاحتلال الأمريكي للعراق يتحدثون عن كارثة نهب المتحف العراقي، لكن يبدو أن ما تم بعد نهب المتحف أضخم وأكبر بكثير مما يمكن أن يتخيل.
وقد قمت خلال ما يقرب من شهر قضيته في العراق بين آذار/مارس ونيسان/أبريل 2004 وقبيل معركة الفلوجة الأولي مباشرة بزيارة لكثير من المدن العراقية ووقفت علي كثير من الحقائق المذهلة عما وقع للعراق خلال عام من الاحتلال، لكن الأرقام الدقيقة وهي اللغة التي عادة ما أتعامل بها لا يعرف بها الكثير من الناس، لأن الأرقام الحقيقية لدي طرفين هما سلطات الاحتلال والمقاولون الذين كانوا لا يزالون يقومون بتفكيك المصانع والمؤسسات ويفرغون المخازن من محتوياتها وشحنها كلها إلي خارج العراق، وكان باستطاعة أي متجول آنذاك علي الطرق السريعة التي تربط العراق بدول الجوار أن يحصي الحجم الذي لا يُتخيل للشاحنات العملاقة التي كانت تحمل كل شيء، ولكن معظم ما كانت تحمله كان مغطي وغير ظاهر.
وأذكر أني في طريق عودتي من تكريت إلي بغداد في إحدي زياراتي المتكررة لها خلال النصف الثاني من آذار/مارس 2004 ، وجدت حادثاً علي الطريق حيث كانت إحدي الشاحنات الضخمة مقلوبة، وكانت قوات من الشرطة العراقية وقوات أمريكية تطوِّق المكان، فطلبت من السائق المرافق لي أن يتوقف حتي أعرف ماذا يجري، وأبرزت هويتي الصحفية، وطلبت من الشرطة العراقية أن يسمحوا لي بالوصول إلي موقع الشاحنة ومعرفة ما حدث، فتعرفوا عليَّ من خلال عملي التلفزيوني لكنهم أخبروني أن القوات الأمريكية طلبت منهم عدم السماح لأحد بالاقتراب، وحينما حاولت أن أتعرف منهم علي طبيعة الحادث لم يقدموا لي أية معلومات ذات قيمة، فهم عادة لا يعرفون شيئاً والحادث وقع لشاحنة في قافلة كبيرة كانت تضم عشرات الشاحنات الأخري التي كانت تحرسها القوات الأمريكية وكانت القافلة ضخمة للغاية.
وبعد نقاشات مع الجنود العراقيين جاء أحد الضباط وتعرف عليَّ ثم سمح لي أن أتقدم وأن أقترب من الشاحنة حتي أعرف ماذا تحمل، فوجدتها تحمل قطعة ضخمة أبلغني الضابط العراقي أنها لأحد معامل تكرير النفط وتم تفكيكها من هناك.
سألته إلي أين تذهب هذه؟ قال: لا أعرف. وحينما رآني أحد الجنود الأمريكيين أبرزت له هويتي الصحفية وقلت له: أريد أن أعرف طبيعة الحادث وماذا تحمل الشاحنة وإلي أين هي متجهة؟ لم يجب علي سؤالي ولكن طلب مني الابتعاد فوراُ عن المكان ورفض الإدلاء بأية معلومات لي ومنعني من التصوير.
هذا الطريق هو نفسه الطريق الدولي الذي يربط بغداد أيضاً مع تركيا عبر الموصل، لكني حينما ذهبت إلي مدينة سامراء قلب ما يسمي بالمثلث السني، حيث توجد جزيرة بحيرة الثرثار التي كانت تقع بها المخازن الرئيسية للحكومة العراقية، والتي كانت تحوي كثيراً من مقدرات الدولة ومخزوناتها الاحتياطية في كافة المجالات العسكرية والمدنية، بدءاً من الغذاء وحتي العتاد العسكري، وقفت علي معلومات أخري مذهلة.
فقد قدَّر لي بعض الخبراء العراقيين مساحة هذه المخازن بأنها تبلغ حوالي مليون هكتار من المباني، وكل هكتار كانت تبلغ مساحته 2500 متر، هذه المخازن الضخمة والرهيبة في مساحتها كانت ممتلئة بكل شيء، وقد وقعت بعد عدة أسابيع من الاحتلال تحت أيدي القوات الأمريكية بكل محتوياتها، وأبلغني أحد المسؤولين في مجلس الحكم في مدينة سامراء آنذاك أن العراقيين فوجئوا بعد عدة أشهر من الاحتلال، بمقاولين أجانب وعراقيين ينقلون محتويات هذه المخازن التي هي بحاجة إلي أساطيل من سيارات النقل وعدة سنوات حتي يتم تفريغها من محتوياتها وشحنها، فاكتشفوا أن الأمريكان هم الذين يقومون بعملية البيع لمحتويات هذه المخازن وبشكل مخيف، وأن هؤلاء المقاولين لديهم عقود بيع وتفريغ لهذه المخازن التي تحوي مقدرات هائلة للعراقيين وبها كميات كبيرة من السلاح والعتاد والمعدات الحربية التي لم تستخدم بعد، كذلك يوجد بها مواد تموينية وأغذية ومعدات مدنية وصناعية وأجهزة كمبيوتر وكل ما يمكن أن تكون الدولة بحاجة إليه .
وأضاف بأن المنطقة كان بها أيضاً منشأة صناعية ضخمة اسمها منشأة صلاح الدين، كان النظام السابق قد أقامها بترتيب مع الفرنسيين وكانت مجهَّزة بأجهزة كمبيوترية عملاقة تستطيع صنع معدات وأجهزة رقمية بما فيها أقمار اصطناعية مدنية ومعدات وأجهزة مصانع، وكانت هذه المنشأة جديدة ولم تفتتح رسمياً بعد، لكننا اكتشفنا مجيء مقاولين بشاحنات من أجل فك الأجهزة ونقلها، فأبلغنا الشرطة العراقية والمحافظ وجاءت قوات من الشرطة لوقف هذه العملية التخريبية الكبري لكن أحداً، حتي المحافظ، لم يستطع أن يمنع عملية التفكيك والنقل لهذه المنشأة العملاقة واكتشفنا أن هؤلاء المقاولين معهم عقد بيع من القوات الأمريكية وأن الموقِّع لهم علي عقد البيع من الطرف الأمريكي هو جندي أمريكي برتبة عريف، وأؤكد لك وكلّي خجل أن قوة العريف الأمريكي الآن هي أقوي من سلطة المحافظ العراقي بل أقوي من أي عضو في مجلس الحكم حتي لو كان رئيس مجلس الحكم نفسه .
وأضاف قائلاً: وأنا منذ عام أي منذ وقوع الاحتلال وأنا أسعي مع كثير من العراقيين المخلصين للحفاظ علي ما تبقي من ثروة أمتنا لكننا فشلنا حتي الآن وثروة بلادنا تفكك وتباع، بل وبعضها يهدي لمن وقفوا مع المحتل ممن يُسمّون بالحلفاء ونحن عاجزون عن حمايتها، وأؤكد لك أن متحف بغداد لم يحرق ولم يذهب وحده ولكن ما تم خلال عام واحد من الاحتلال من تدمير مقدرات الدولة وسرقتها أكثر فظاعة مما شاهده الناس علي شاشات التلفزة خلال فترة الحرب، وكل ما يتم الترويج له الآن هو تغطية علي عمليات النهب المنظم لما تبقي من ممتلكات ومؤسسات الدولة ومخازنها وثرواتها والتي يمكن أن تستمر لسنوات أخري قادمة، ولا أحد يتكلم، لأن لا أحد يعلم حقيقة ما يدور، ولا أحد يستمع لنا فالكل مصاب والكل يتألم إما بمفقود أو معتقل.
أما مقدرات الدولة وثروة الشعب العراقي من معدات لتصنيع الأقمار الاصطناعية وثروات أخري فإنها تباع في المزاد ويوقع علي عقد البيع جندي أمريكي.. هذا ما يحدث الآن في العراق بعد عام من الاحتلال.

انتشار البطالة والفقر

الحديث عن البطالة في العراق بعد عام واحد فقط من الاحتلال يعتبر شيئاً مريعاً، فهناك جيش كان يزيد عدد المنتسبين والمحترفين فيه عن نصف مليون جندي، وهناك دولة كان يعمل بها من الموظفين ما يزيد علي سبعة ملايين شخص، أصبح معظمهم بل كلهم عاطلين عن العمل، وقد التقيت في بغداد آنذاك ضباطاً وموظفين كباراً سابقين كانوا يعيشون حالة مأساوية، فبعضهم كان يعمل سائقاً وآخرون يبيعون أشياء بسيطة في الشوارع حتي يعولوا أسرهم، حتي ان أحدهم قال لي وهو يطرق بوجهه: لديّ خمس بنات بعضهن في الجامعات يا سيدي وأنا كنت برتبة لواء ركن وكنت أعمل أستاذاً في كلية الحرب العليا أعلي أكاديمية عسكرية في العراق، ومعي ثلاث شهادات للدكتوراه في العلوم العسكرية لكني الآن بلا عمل فمن أين أطعم أولادي وكيف أعيش؟ .
وفي محافظة صلاح الدين التي تقع بها مدينة تكريت التي كان ينتسب لها الرئيس السابق صدام حسين، كان أغلب الناس الذين التقيت بهم ينتسبون للجيش والأمن الخاص والحرس الجمهوري أو موظفين عامين في الدولة، وهذا يعني أن الوظيفة سواء كانت عسكرية أو مدنية كانت هي مورد رزقهم الأساسي، وجدت بعضهم يعمل بائعاً في الأسواق وبعضهم عاد يعمل في الفلاحة ممن كان لديهم أراض زراعية، لكن الأغلبية ليس لها عمل وتشكو الفاقة.
أما المؤسسات التابعة للإدارات المحلية فكلها تعيش حالة من الفوضي، ومن يذهب للعمل في الشرطة أو الدفاع الوطني بشكل عام في العراق فإنهم يوصفون بأنهم يعملون مع سلطات الاحتلال وبالتالي فهم إما أن يكونوا هدفاً لرجال المقاومة أو ينظر إليهم باحتقار من الناس، لكن في النهاية وكما انتسب لحزب البعث سبعة ملايين معظمهم للبحث عن وظيفة فقد فعلت سلطات الاحتلال نفس الشيء ولكن في ظل فوضي عارمة.
ولم يكن هذا في بغداد وحدها أو المدن الكبري، ولكنه كان شاملاً لكل مدن العراق وربما لم ينج منه إلا هؤلاء الذين كانوا يعملون في التجارة أو الزراعة من قبل، وقد رأيت أحد القادة العسكريين حينما زرته في قريته التي تبعد عن بغداد حوالي مئتي كيلو متر يعمل بالفلاحة في مزرعة صغيرة ورثها عن أبيه، وحينما وصلت إلي بيته طلبوا مني أن أنتظر حتي ينادوه من المزرعة، فجاء الرجل مهرولاً ثم قال لي والحرج يعلوه ـ حيث ذهبت إليه دون موعد لعدم وجود هاتف لديه ـ وهو يستقبلني بجلبابه ويديه المتسختين بالطين حيث كان يروي مزرعته بيديه آسف سأغسل يدي ثم أعود إليك .
وبعدما عاد قال لي وهو يطرق بنظره للأرض حرجاً مني لم أجد شيئاً بعدما دمر جيشنا واحتلت بلادنا إلا ما تركه لي أبي من قطعة أرض صغيرة فعدت إليها وأعمل فلاحاً الآن حتي أوفر لعائلتي ما يمكن أن تعيش به . قلت له: لا عليك إن ما تقوم به هو أشرف ما يمكن أن يقوم به الإنسان.

فوضي الصحافة

حينما كنت أذهب إلي العراق قبل احتلاله من قبل القوات الأمريكية في نيسان/أبريل من العام 2003 ، أي حينما كان يحكمه صدام حسين، كنت لا أجد سوي الصحــــف الحزبية والرسمية التي بقيت طيلة خمسة وعشـــــرين عاماً تضع صور الرئيس السابق في صدر صفحاتها الأولي وتتحدث عن إنجازاته وتكاد وأنت تقرؤها تشعر أنك تعيــــــش في عصر خاص هو عصر صدام حسين.
وفي كل زيارة كنت أشعر أن هذه نفس الصحف التي قرأتها في الزيارة الماضية، لكني كنت أدقـــــق في التاريخ فأجده تاريخ اليوم الذي أنا فيه وليس تاريخ الزيارة السابقة.
أما في بغداد وبعد عام من الاحتلال فقد كنت أجلس كل صباح علي كومة من الصحف العراقية، لكن ما كنت أستطيع قراءته من هذه الكومة من الصحف كان لا يزيد عن صحيفتين إلي ثلاث، أما النسيج الباقي من الصحف فهو يبدأ من صحف تعبِّر عن آراء أحزاب أو سياسيين سابقين أو ما يطلق عليهم العراقيون عملاء لأنظمة ودول مختلفة أو عائلات أو أفراد أو صحف فضائح تنشر قصصاً مختلقة لا أصل لها، أو قصصاً أخري نشرت قبل سنوات في الصحف العربية فأعادوا صياغتها وإخراجها بأسلوب فضائحي ركيك ورخيص.
أما باقي الصحف ـ نقلاً عن أحد أعضاء مجلس إدارة جمعية الصحفيين العراقية ـ فقد زادت في بغداد وحدها خلال عام واحد من الاحتلال عن مئتين وثلاثين صحيفة بعضها لم يصدر منه سوي عدد واحد، وبعض الجهات والأفراد يصدرون أكثر من صحيفة، الكثير منها أو أغلبها كان يوزَّع مجاناً في الشوارع وعلي المكاتب والفنادق.
المناظر التي كانت مألوفة في بغداد صباحاً أن تجد عراقياً يحمل تحت إبطه كمية من الصحف ويمشي يوزِّع منها علي من يعرف، وكثير منها علي من لا يعرف. والغريب أن بعض هذه الصحف ربما لم يكن يقرؤها سوي الذين يكتبون فيها. وأذكر أني قرأت في إحداها قصة عن طلاق إحدي الممثلات أذكر أني قرأت نفس القصة قبل عدة سنوات في الصحف المصرية حتي إن هذه الممثلة ربما تزوجت وطلقت عـــدة مرات بعد هذه القصة، لكنها هنا برواية عراقية جديدة مليئة بالفبركة والتدليس. إنها الفوضي العارمة والفبركة التي تطال كل شيء. هذا في بغداد، أما في المحافظات والمدن الأخري فقد كان يصدر ويوزع بها مئات الصحف الأخري.7

ليست هناك تعليقات: