آخر المقالات

الاثنين، 24 سبتمبر، 2007

احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق-2


احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق -2
شيخ عشيرة: لقد أهانونا كثيراً ولو لقيت أي جندي أمريكي أستطيع قتله لقتلته. إنهم لصوص يسرقون كل شيء
مسؤولون جدد يعيشون في بيوت كالسجون لا يحظون بمقابلة القادة المحتلين وكل السلطة للعريف الامريكي في بغداد

يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق.
و القدس العربي تنفرد بنشر فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حولتها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام
.




الأحزاب السياسية

مع الفوضي العارمة في كافة مجالات الحياة كانت هناك أيضاً فوضي في تأسيس ووجود الأحزاب السياسية في العراق، حيث بلغ عدد الأحزاب التي أعلن عن تأسيسها في بغداد خلال عام من الاحتلال أكثر من مئتي حزب سياسي؛ بل إن أحد السياسيين العراقيين أكد لي أن عددهم وصل في بداية نيسان/أبريل 2004 إلي 237 حزباً، هذا خلاف الأحزاب الصغيرة في المحافظات والمدن حيث لم يتم عمل أي إحصاء رسمي لها حتي الآن، وهي تقدر بالمئات، وقد سارعت هذه الأحزاب بعد سقوط النظام إلي السيطرة علي مقرات حزب البعث ومؤسسات الدولة السابقة، وحتي دور السينما والحانات وبيوت كبار الموظفين والمجمعات السكنية الحكومية والعسكرية واتخذتها مقاراً لها.
وقد شاهد الجميع علي شاشات التلفزة في 29 آذار/مارس 2004 صور عراك بالأيدي بين منتسبي حزب جماعة ثأر الله أحد الأحزاب الشيعية الصغيرة في مدينة البصرة وبين القوات البريطانية التي طالبتهم بإخلاء مبني عام سيطروا عليه واتخذوه مقراً لحزبهم بعد الاحتلال، وكان قبل ذلك مقراً لـ اتحاد النساء العراقيات في البصرة
.
والغريب أن هؤلاء كانوا يطالبون بتملك هذه المباني التي هي ممتلكات الدولة في الأصل، كما أن بيوت مسؤولي النظام السابقين أيضاً تحولت إلي مقار للأحزاب أو إلي مساكن للمسؤولين الجدد الذين لم يتحرجوا بل سارعوا للاستيلاء علي مساكن الذين ظلموا أنفسهم من رجال النظام السابق، وذلك بأسلوب عبثي فوضوي غريب.
وأكثر الأمور إضحاكاً في هذا المجال هو أني علمت أثناء وجودي في بغداد في آذار/مارس 2004 أن مبني الإذاعة والتلفزيون محتل من قبل عشرات العائلات العراقية، فسألت: وكيف حال الإستديوهات؟ فقالوا:
إن كل استوديو كبير سيطرت عليه عدة عائلات. لكن المضحك في الأمر أن هؤلاء يطالبون بتمليكهم المبني علي اعتبار أنه من مخلفات النظام السابق وليس من ممتلكات الدولة
.
وحينما ذهبت لزيارة عضو مجلس الحكم الانتقالي صلاح الدين محمد بهاء الدين لترتيب حلقة تلفزيونية لي معه في برنامجي بلا حدود ، وجدته يقيم في مجمع الوزراء في منطقة القادسية في قلب بغداد، ويحيط بالمبني سور إسمنتي يصل ارتفاعه إلي حوالي أربعة أمتار أشبه ما يكون بالسور الذي أقامه شارون في الضفة الغربية، لكن سور القادسية كانت عليه حراسة أمريكية بالدبابات، وجنود عراقيون من الدفاع المدني خوفاً من عمليات التفجير التي أصبحت تهدد كل الأماكن التي تقيم فيها قوات احتلال أو مقرات للسلطة المؤقتة، ومثل هذه الأسوار الخرسانية انتشرت حول كل المباني والفنادق التي تستخدمها سلطات الاحتلال، فالمكان الذي كان يسكنه قادة البعث والسلطة السابقة أصبح للسلطة الجديدة الموالية للاحتلال.

فوضي الاغتيالات

اغتيال ضابط سابق في وزارة الداخلية وإصابة ابنته ، اغتيال قائد شرطة المحمودية ، سيارة مفخخة تستهدف محافظ ديالي ، مجهولون يختطفون الدكتور وليد الخال ، مقتل طبيب في عيادته ، هذا ما كنت أنام وأستيقظ عليه في العراق أثناء تجولي في مدنها المختلفة خلال شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل من العام 2004، حوادث قتل وخطف وسيارات مفخخة، وطلقات نارية وانفجارات قذائف وصورايخ ولا أحد يشعر بالأمن كما قال لي أحد السياسيين العراقيين .
حتي بول بريمر الحاكم المدني العراقي نفسه آنذاك كما قال في مذكراته ـ التي نشرت طبعتها العربية دار الكتاب العربي في بيروت في العام 2006 ـ تعرض لعدة محاولات اغتيال قال إنها بلغت خمساً حتي ذلك الوقت لكن بنهاية فترته بلغت سبع محاولات، وحتي قائد القيادة العسكرية الأمريكية الوسطي الجنرال جون أبي زيد نجا هو الآخر من هجوم صاروخي شنّه رجال المقاومة علي رتل عسكري كبير كان فيه أثناء توجهه إلي مدينة الفلوجة في 12 شباط/فبراير 2004. وأكد الجنرال مارك كيميت نائب قائد العمليات العسكرية في مؤتمر صحافي عقده في بغداد مساء نفس اليوم:
الجنرال أبي زيد كان يزور مجمعاً لفرقة الدفاع المدني العراقية في محلة الفلوجة عندما أطلقت ثلاث قذائف صاروخية علي قافلته من فوق أسطح مبان قريبة
.
فإذا كان هذا هو حال الحاكم المدني الأمريكي وحال قائد القيادة المركزية الأمريكية اللذين كانا يتحصنان وراء جدران وسط عشرات الآلاف من الجنود، فكيف هي حال المواطنين العراقيين البسطاء العاديين؟ ورغم أن مسؤولية الأمن هي مسؤولية الاحتلال لكن في ظل تصريحات لوزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد التي رددها أكثر من مرة قائلاً: إن أمن العراقيين هو مسؤولية العراقيين أنفسهم وليس مسؤولية سلطات الاحتلال فإن هذا أمر يخالف ـ دون شك ـ كل القوانين الدولية.
وقد أدت هذه الفوضي الأمنية إلي قيام عصابات مسلحة منظمة تقوم بخطف الميسورين من الناس وطلب فدية لقاء الإفراج عنهم، وقامت عصابات أخري بعمليات سطو مسلح، وقامت جماعات مسلحة بتصفية شخصيات من جماعات أخري.
وقد أبلغني الدكتور حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق في لقاء أجريته معه في بغداد في شهر آذار/مارس من العام 2004 أن: عدد علماء الدين الذين تم تصفيتهم من أهل السنة خلال شهر واحد فقط زاد عن خمسين عالماً منهم شقيقه الذي كان كما قال:
إنساناً وادعاً ومسالماً وأحد أشهر العلماء السنة في بغداد ، وأضاف بأن هناك قوائم أصدرتها بعض الجهات بتصفية البعثيين وهي في الأصل تستهدف تصفية الخبراء والعلماء والأكاديميين البارزين من أهل السنة وتصفية العراق من أبنائه الخبراء في كافة مجالات الحياة تحت دعوي أنهم بعثيون، وما يحدث هو خطير ويتجاوز كل الأعراف
.

صناعة الكراهية لقوات الاحتلال

حينما ذهبت إلي مدينة الفلوجة يوم الخميس الأول من نيسان/أبريل 2004، أي بعد يوم واحد من عملية قتل أربعة من المرتزقة الأمريكيين في 31 آذار/مارس تابعين لشركة بلاك ووتر ويعملون حراساً أمنيين لصالح الجيش الأمريكي، حيث تم سحل جثث بعضهم في الشوارع من قبل عامة الناس بعد حرق جثثهم والسيارات التي كانت تقلّهم ـ كان السؤال الذي يشغلني هو لماذا فعل الناس هذا العمل في الفلوجة؟
لماذا لم يكتفوا بقتل الأمريكيين بل قام العامة منهم والأطفال بسحل ما تبقي من جثثهم في الشوارع وتعليق أجزاء منها علي أحد الكباري؟ وقد أخبرني بعض الوجهاء والحكماء في المدينة حينما التقيت بعدد منهم في هذه الزيارة:
إننا لا نقبل ما تم من قبل العامة وليست المقاومة مسؤولة عن هذا، فقد قام رجال المقاومة بعمل كمين للمرتزقة وهذا حقهم الذي كفلته كل القوانين والشرائع الدولية بمقاومة سلطات الاحتلال ثم انسحبوا من الموقع، لكن الأمريكيين صنعوا في نفوس عموم العراقيين من خلال ممارساتهم اليومية كمّاً من الكراهية لهم لا يوصف، وهذه الكراهية هي التي ولدت رد الفعل هذا لدي عموم الناس
.
وانبري أحد شيوخ العشائر من بين الحضور الذين تجمعوا للقائي وقال لي: نحن أهل عشائر وأهل تقاليد كنا في عهد صدام حسين رغم كل طغيانه وجبروته لا يلقي القبض علي أحدنا من قبل مخابراته إلا ويأتي مع قوات المخابرات مختار المنطقة وبعض أفراد الشرطة من المدينة ويستأذنون بداية قبل الدخول، فنقوم بترتيب البيت وإيقاظ الأطفال أو تجميعهم في غرفة واحدة ثم تقوم النساء بتغطية أنفسهن والبقاء مع الأطفال ثم يقومون بالتفتيش دون أن يمسوا طفلاً أو امرأة، أما الآن فإننا نجد الجنود الأمريكيين بأسلحتهم علي رؤوسنا ونحن في غرف نومنا بين نسائنا، ثم يأخذوننا بعد أن يروعوا أبناءنا وأطفالنا ـ والناس شاهدوا هذا المنظر يتكرر علي شاشات التلفزة بالليل والنهار ـ يأخذوننا بعد ذلك فيضعون أكياساً في رؤوسنا ويهينوننا ونحن شيوخ عشائر أمام الصغير والكبير والنساء والأطفال، كما أنهم يعتقلون نساءنا في بعض الأحيان فلا نستطيع بعد ذلك أن نرفع رؤوسنا في وجه أحد.
وسبق أن دخلوا بيوت المدينة بيتاً بيتاً وفتشوها وانتهكوا حرماتها ولم يجدوا دليلاً ضد أحد، كما أن كثيراً من الأسر قد تضررت واعتقل المئات من الناس وقتل كثيرون وبالتالي فلم يعد هناك بيت ليس له ثأر من نوع ما مع الأمريكيين، إنهم يصنعون الكراهية في نفوس الكبير والصغير من أهل العراق منذ عام كامل فما الذي تتوقعه من عامة الناس؟

وحينما ذهبت إلي مدينة سامراء في الثاني من نيسان/أبريل كان نقاش الناس يدور حول ثمانمئة معتقل لدي القوات الأمريكية من أهل المدينة، وكانوا يعدون لمؤتمر في المدينة للمطالبة بالإفراج عنهم، وحينما ذهبت إلي تكريت حيث مسقط رأس صدام حسين وجدت صورة مشابهة، وحينما ذهبت إلي الرمادي وجدت ذلك، وحينما ذهبت إلي مدن أخري منها بلد وبعقوبة والمقدادية وغيرها من مدن محافظة ديالي وجدت صوراً شبه متكررة لأساليب الأمريكيين المختلفة في صناعة الكراهية ضدهم من الجميع.
وبعد عام من صناعة الكراهية ومن سلطة احتلال حتي لو كانت تمتلك أحدث الأسلحة ووسائل التكنولوجيا فإن شعباً عصياً مثل شعب العراق يلقي علي القوات الأمريكية ثمار صناعة الكراهية بوسائل مختلفة، منها ما حدث في الفلوجة حيث أكد لي كثيرون أن مثله تكرر في مدن أخري، لكن الفارق بين ما حدث في الفلوجة وما حدث في غيرها أن وسائل الإعلام كانت في الفلوجة فصوّرت ما حدث وبُثَّ في أنحاء العالم لكنها لم تتواجد في المدن الأخري حينما وقع فيها ضد قوات الاحتلال مثلما وقع في الفلوجة وربما أكثر.

مجلس الحكم

أسس الأمريكيون مجلس الحكم الانتقالي بعد احتلالهم للعراق من خمسة وعشرين من العراقيين يمثلون الأطياف المختلفة لمعظم العراقيين، فكان هذا أول ترسيخ للطائفية في العراق منذ مئات السنين، علاوة علي ذلك فإن الكثير من أعضاء مجلس الحكم لا جذور لهم ولا شعبية، لا سيما هؤلاء الذين جاؤوا من الخارج محمولين علي ظهور الدبابات والطائرات الأمريكية، لكن مجلس الحكم بعد عام من الاحتلال لم يكن في الحقيقة يمارس أي سلطة أو حكم، فالمقربون منهم من الأمريكيين هم المحظيون.
أما الآخرون ـ كما قال لي أحد أعضاء مجلس الحكم ـ فلا يكادون حتي يحظون بمقابلة المسؤولين الأمريكيين، وضرب لي مثالاً علي أن أحد أعضاء مجلس الحكم وهو محسن عبد الحميد الذي كان رئيساً للحزب الإسلامي حينما أصبح رئيساً للمجلس، طلب لقاء الميجور جنرال ريكاردو سانشيز القائد العام لقوات الائتلاف في العراق آنذاك لأخذ موافقته علي زيارة سجن أبو غريب، أكبر السجون التي يُحتجز فيها عراقيون للاطلاع علي أوضاعهم بعد ضغوط من أسر المعتقلين لا سيما وأن عمليات الاعتقال تتم بشكل عشوائي، وكثير منهم يُعتقلون بسبب وشايات من أعداء لهم. أعطي الجنرال سانشيز موعداً لرئيس مجلس الحكم بعد أسبوعين وحينما التقاه لم يسمح له سانشيز بزيارة السجن.
وقد اعترف المفوض العام للسجون العراقية روبرت جونز أحد نواب الحاكم المدني آنذاك بول بريمر في مؤتمر صحافي عقده في منتصف آذار/مارس 2004 في بغداد أن عدد المعتقلين العراقيين في سجون سلطات التحالف هو اثنا عشر ألف معتقل.
وقد روي لي أحد المعتقلين السابقين صوراً مذهلة لما يدور في سجون قوات الاحتلال والتي لا يُسمح لأحد بدخولها، حيث إن وزنه انخفض أربعين كيلو غراماً خلال سبعة أشهر من الاعتقال، حتي إن أهله لم يتعرفوا عليه بعدما خرج. ويدور الأهالي علي السجون ليعرفوا مجرد معرفة أين يُحتجز أبناؤهم، والشاهد في الموضوع هو حجم الصلاحية التي لا يتمتع بها أحد حتي رؤساء مجلس الحكم، فالسلطة كل السلطة بعد عام من الاحتلال هي لقوات الاحتلال وليس لأحد آخر، وهذه المجالس ليست سوي مجالس شكلية ساهم المشاركون فيها في تدعيم سلطات الاحتلال وترسيخ أركانه، ويكفي أن يبقي رئيس المجلس أسبوعين علي باب الجنرال سانشيز حتي يؤذن له بالدخول ثم يرفض طلبه ليس بالإفراج عن المعتقلين ولكن حتي بزيارتهم
.
وخير دليل علي ذلك هو أن عمر هذا المجلس لم يدم سوي أيام بعد عام من الاحتلال، فربما لم يمض أكثر من شهر علي انتهاء مهمته حتي أصبح معظم أعضائه في طي النسيان بعدما انتهت مهمتهم التي كانت أولاً وأخيراً من أجل خدمة الاحتلال.
فمن بين خمسة وعشرين عينتهم سلطات الاحتلال الأمريكي كأعضاء في مجلس الحكم، قتل اثنان هما عقيلة الهاشمي وعزالدين سليم، وتم اختيار أربعة فقط في الحكومة البديلة له التي اختير إياد علاوي لرئاستها والتي لم تكن في رأي كثير من المراقبين سوي وجه آخر له، أما الباقون فإما أنهم زعماء أحزاب مثل أحمد الجلبي، وصلاح الدين بهاء الدين، ومحسن عبد الحميد وغيرهم ممن عادوا إلي أحزابهم فيما حل محلهم في الحكومة آخرون من رجالهم، أما الباقون فقد عادوا أدراجهم مرة أخري من حيث أتوا قبل احتلال العراق حينما كانوا معارضين منفيين في عهد صدام حسين، لأنهم باختصار ليس لهم أية أرضية أو شعبية، ولم ينجحوا طوال عام من العمل مع سلطات الاحتلال في صناعتها بحيث يأمن أحدهم علي نفسه لو بقي. بل ربما خسروا ما كان لهم من رصيد من قبل، إن كان لهم رصيد في الأصل
.
فعلي سبيل المثال قال سمير الصميدعي أحد أعضاء هذا المجلس ووزير الداخلية السابق كذلك والذي كان يعيش في لندن قبل أن يعينه الأمريكيون في المنصبين: لقد كانت لي حياة قبل أن آتي إلي بغداد، وأريد العودة لمواصلة تلك الحياة . هكذا باختصار دون أي رتوش، أما ما كان قد ذكره من قبل أنه جاء من أجل العراق وشعب العراق ومستقبل العراق فلم تكن كلها سوي تصريحات لضرورات المنصب والمرحلة، والأمر تم اختزاله في بدايته ونهايته كما يشير التصريح إلي مشروع شخصي.
أما محمد بحر العلوم الذي كان يشاهد دائماً وهو ينحني لبول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق، في ذهابه وإيابه فقد ذكر أحد المساعدين المقربين منه أن الجو حار الآن في العراق وقد حلَّ الصيف وربما يغادر لقضاء إجازة . ومن المعروف أن بحر العلوم كان يعيش في لندن مثله مثل كثيرين من أعضاء مجلس الحكم الذين عادوا إلي لندن مرة أخري بعد انتهاء مهمتهم، ومنهم محمود عثمان الذي هاجم الأمريكيين بشدة بعد اختيارهم الحكومة الجديدة ـ حكومة علاوي ـ دون أن يكون له منصب فيها.
أما عدنان الباجه جي الذي كان المنافس الأقوي علي منصب رئيس الدولة فإنه آثر بعد اختيار الياور وضياع المنصب الذي وعد به، أن يعود إلي إحدي دول الخليج حيث كان يعيش لسنوات طويلة قبل أن يؤتي به ليكون عضواً من أعضاء مجلس الحكم.
أما البيوت التي كان يعيش فيها هؤلاء والتي تقع في حي القادسية في بغداد حيث كانت مقراً أو سكناً لوزراء صدام حسين فحينما ذهبت إليها لزيارة أحد أعضاء مجلس الحكم السابقين فيها وهو صلاح الدين بهاء الدين كما أشرت من قبل فقد وجدتها عبارة عن سجن كبير، بني حوله سور خرساني بارتفاع ثلاثة أمتار ونصف المتر، وعليه حراسة مشددة مشتركة من قوات الشرطة العراقية وقوات كردية وأمريكية حيث للأمريكيين القرار الأول والأخير دائماً، فالجندي الأمريكي هو الذي يأمر ويقف مشرفاً بينما العراقي هو الذي يقوم بعملية التفتيش التي يأمر بها الأمريكي.
وقد خضعت لتفتيش دقيق من الجنود العراقيين الذين تعرفوا عليَّ واعتذروا لي عن دقة التفتيش بسبب وجود ضباط أمريكيين يراقبون الموقف، غير أني لا أحفل كثيراً بما يجري من حولي في مثل هذه المواقف وأحاول أن أكون في أبرد الحالات وأتابع ما يحدث علي أني مشاهد له، وقد تعمدت أن أسأل مرافقي عن سكان المجمع فوجدت معظمهم ممن جاؤوا من الخارج من وراء البحار ليشاركوا الأمريكيين حكم العراق، تماما كما فعل الأمريكيون في فييتنام وكما حاولوا أن يفعلوا في معظم البلاد التي احتلوها، وكثير ممن جاءت بهم أمريكا علي ظهور دباباتها أو طائراتها إما عادوا بعد انتهاء مهمتهم أو في طريقهم إلي العودة من حيث أتوا حينما تنتهي مهمتهم لو كانت لهم مشاركات بأشكال أخري من صنائع الاحتلال.
وكثير من هؤلاء كانوا قد فرشوا مساكنهم في المجمع الذي أعده لهم الأمريكان بفرش مستورد ـ لأنها كانت قد نهبت في أعقاب سقوط نظام صدام حسين ـ معتقدين أنهم جاؤوا ليحكموا ولسنوات طويلة ولم يدركوا أنهم أداة لمرحلة
.
أما الأعضاء الذين تم اختيارهم من داخل العراق والذين كانت مواكبهم تجوب شوارع بغداد فقد زالت عنهم كل المظاهر المزيفة وعادوا إلي بيوتهم وحياتهم العادية يخشون من الانتقام منهم حيث استُهدِف عدد منهم في محاولات اغتيال سابقة، لكن الأكثر تضرراً هم هؤلاء الذين كانوا يستفيدون من تلك المظاهر من سائقين ومرافقين حيث كانت لهم رواتب ومخصصات عالية.
ورغم انتهاء دور مجلس الحكم في بدايات العام الثاني للاحتلال لكن دور رجال أمريكا لم ينته حيث استبدل مجلس الحكم ـ كما يقول المراقبون ـ بالوزارة الجديدة التي عين إياد علاوي علي رأسها، وهو الذي وصفته الصحف الأمريكية مثل نيويورك تايمز وغيرها نقلاً عن مسؤولين سابقين في السي آي إيه بأنه كان جاسوساً للسي آي إيه ، وربما هذا ما دفع إمام مسجد أبي حنيفة أكبر مساجد بغداد أن يجاهر في خطبة الجمعة في 7 أيار/مايو 2004 بأن رئيس الوزراء الجديد للعراق ليس سوي عميل . ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن الشيخ أحمد السامرائي إمام مسجد أبي حنيفة قوله: يأتي مجلس الأمن ويصادق علي من عرف من أفراد الحكومة بعمالته وتتلمذه علي يد وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكيتين .
وقد كان مصير حكومة علاوي مثل مصير مجلس الحكم، ولن يكون مصير الجميع أفضل من مصير رجال أمريكا في فييتنام أو الصومال أو لبنان أو أمريكا الجنوبية. ومن أراد أن يعرف مصير رجال أمريكا الذين خدموا مصالحها ثم تم التخلص منهم أو تصفيتهم بعد انتهاء مهامهم فلينظر في التاريخ
. هذا كان حال العراق بعد عام من الاحتلال وقبل حصار الفلوجة ومعركتها الأولي في نيسان/أبريل من العام 2004.

المرتزقة.. وأسباب معركة الفلوجة

لم أنم جيداً رغم الإرهاق الشديد الذي كان يحيط بأركان جسدي وهذه طبيعة تلازمني ـ للأسف ـ في أسفاري التي لا تنتهي، لا سيما إذا كان لدي عمل سأقوم به في الصباح الباكر. ورغم هذا القلق والاضطراب الذي صاحب نومي استيقظت مبكراً كعادتي بعد غفوات ونوم متقطع لعبت الانفجارات الليلية التي كانت تحدث في أنحاء بغداد أثناء الليل دوراً رئيسياً فيه، وكان أول شيء فعلته في الصباح هو السؤال عما ألمَّ بالفلوجة وحقيقة ما وقع بعد منتصف الليل، فوجدت أن ما كنت أخشاه قد أصبح حقيقة واقعة.
لقد قامت القوات الأمريكية بالفعل بفرض حصارها علي المدينة الليلة الماضية كما أخبرنا وضاح، وبالتالي علينا تحضير أنفسنا لنتحرك إلي هناك ونقوم بمحاولة الدخول إليها لتغطية الأحداث من داخلها كما اتفقنا ليلاً والبقاء هناك إلي يوم التاسع من نيسان/أبريل للمشاركة في التغطية الخاصة بمرور عام علي الاحتلال الأمريكي للعراق
.
كان عليَّ إذاً أن أعد نفسي لرحلة طويلة، فأنا لا أعرف إن دخلت إلي المدينة متي وكيف سأخرج منها إن كتب الله لي الحياة، فأخذت حقيبة ملابسي، وحقيبة يدي التي تحتوي علي ما أريده من الأغراض التي أكون بحاجة دائمة إليها، وتركت فقط في غرفتي في الفندق ما يمكن أن أستغني عنه، ثم نزلت إلي المكتب الذي كان يقع في الطابقين الأول والثاني من فندق بحيرة البجع، لأري ماذا أعد الزملاء، فوجدتهم يقومون بترتيب احتياجات الرحلة، فطلبت منهم أن يراجعوا كل شيء لأنه لا مجال لدينا للنسيان أو الاستبدال، لذا يجب أن نراجع معداتنا أكثر من مرة. وقد أدي هذا إلي تأخرنا في الانطلاق حتي التاسعة صباحاً، حينها أبلغني حامد أن كل شيء علي ما يرام.
كان الفريق يتكوَّن من اثنين من المصورين مع الكاميرات وجهار بث بالأقمار الصناعية مع مهندس، وسيارتين إحداهما سيارة البث، وأخري سنركب فيها نحن علاوة علي الزميل حامد حديد الذي كان قد عُيّن مديراً لمكتب بغداد وكان وقتها في إطار ترتيبات تسلمه لإدارة المكتب. ولأن حامداً كان من أهل الفلوجة فكان عليه ترتيب كافة الأمور اللوجستية والإدارية للفريق. ولكن قبل أن نبدأ طريقنا إلي الفلوجة يحسن بنا الوقوف علي الأسباب التي أدت إلي تفاقم الأمور في المدينة وإلي أن يصدر قرار من أعلي مستوي أمريكي بفرض حصار عليها في خطوة غير مسبوقة تجاه أي من مدن العراق الأخري، وأن يصل الأمر إلي حد قيام فرقة أمريكية كاملة قوامها أكثر من عشرة آلاف جندي بحصار مدينة كبيرة يصل عدد سكانها إلي ثلاثمئة ألف نسمة، ومساحتها الجغرافية تزيد عن أربعين كيلو متراً مربعاً مثل مدينة الفلوجة، وأن يكون هذا الحصار شاملاً لكل الطرق ومن كل الجوانب.

مدينة الفلوجة

كانت الفلوجة منذ بداية الاحتلال في شهر نيسان/أبريل من العام 2003 مدينة عصية علي القوات الأمريكية، وقد وقعت فيها معارك ومواجهات كثيرة منذ بداية الاحتلال، إلا أن أكبر عملية وقعت بها ولفتت أنظار واهتمام القوات الأمريكية كانت في 27 أيار/مايو من العام 2003 أي قبل أن ينتهي الشهر الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي جورج بوش بأسلوب استعراضي شهير نهاية العمليات العسكرية في العراق، في هذا اليوم 27 أيار/مايو 2003 قامت معركة استمرت عدة ساعات بين خلية من المقاومة كان يقودها الشهيد نور الدين الزوبعي وسرية من القوات الأمريكية علي نهاية الجسر العلوي الذي يربط الفلوجة بالطريق المؤدي إلي مدينة الرمادي والذي يمر فوق نهر الفرات، وأدت المعركة التي استمرت عدة ساعات إلي مقتل وإصابة عدد كبير من القوات الأمريكية علاوة علي تدمير طائرة هليكوبتر بمن فيها. وقد ذكرت تفاصيل الحادثة بالكامل في كتابي قصة سقوط بغداد .
بعد هذه الحادثة مباشرة صدرت أوامر للقوات الأمريكية ـ كما نشرت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير كتبه مايكل غوردون من بغداد ونشرته بالاتفاق معها صحيفة الشرق الأوسط في 30 أيار/مايو 2003 بأن يتم نشر قسم كبير من الفرقة الثالثة الأمريكية في مدينة الفلوجة، بعد هجوم يوم الثلاثاء 27 ايار/مايو، وقد أقرت القوات الأمريكية بمقتل جنديين وجرح تسعة آخرين في هذا الهجوم، وأشار تقرير نيويورك تايمز إلي أن فرقة المشاة الثالثة هي التي قادت الهجوم علي بغداد وأن جنودها كانوا يتوقعون العودة إلي الولايات المتحدة بعد تمركز استمر تسعة أشهر في الكويت قبل المعركة، لكن عودتهم تأجلت بعدما كلفوا بتأمين الأوضاع في الفلوجة بعد المعركة التي قادها الزوبعي وأدت إلي هذا العدد المرتفع في القتلي والجرحي من الأمريكيين.
لم تكن المواجهة التي حصلت في 27 أيار/مايو إلا بداية لانطلاقة كبيرة للعمليات العسكرية التي قادتها المقاومة في الفلوجة ضد القوات الأمريكية، بعدها بدأت القوات التي كلفت بتأمين الوضع في الفلوجة تتعامل مع السكان بإهانة وغلظة وازدراء، وكانت تطلق النار علي كل من تشك به، وتهين شيوخ العشائر وتدنِّس حرمات البيوت.
وقد روي لي كثير من أهل الفلوجة كيف أن الأمريكيين استحلوا كل شيء في المدينة وأصبحت تسيطر عليهم روح الانتقام من أهل المدينة، فعند تفتيش المنازل كانوا يحطمون الأثاث ولا يعيرون حرمة لامرأة أو طفل أو شيخ أو مريض.
كما كانوا يفتشون النساء، وهذه إهانة بالغة كانت تجعل كل عراقي يريد أن ينتقم لشرفه، حتي إن أحدهم قال لي أثناء إحدي زياراتي للفلوجة: لقد أهانونا كثيراً ولو لقيت أي جندي أمريكي أستطيع قتله لقتلته، ماذا بقي لنا؟! إنهم لصوص يسرقون الأموال والمجوهرات وحتي الملابس الأنيقة والتذكاريات وكل ما يمكن أن تقع أيديهم عليه. لقد كان رجال صدام سيئين، لكننا أهل بداوة ولا يمكن أن يدخلوا للتفتيش إلا إذا تسترت النساء وسمحنا لهم، أما هؤلاء الأمريكيون فإنهم أوغاد ورعاع
.
هذا الغضب الذي صنعه الأمريكيون في نفوس أهل الفلوجة وفي نفوس العراقيين بشكل عام ـ والذي أشرت إلي بعض تفاصيله في الفصل السابق ـ أدي إلي تصاعد العمليات ضد الأمريكيين بشكل واسع، وأصبحت هناك عمليات تتم بأشكال مختلفة، منها عمليات انتقام يقوم بها أفراد أو رجال عشائر وقبائل، ومنها عمليات منظمة للمقاومة التي بدأت ترصّ صفوفها بشكل مبكر. وكانت من أكبر العمليات التي تمت ضد القوات الأمريكية في هذه المرحلة في مدينة الفلوجة الهجوم الذي وقع في العاشر من تموز/يوليو من العام 2003 وقاده أيضا نور الدين الزوبعي، وتم فيه تدمير مركز شرطة الفلوجة الذي كان مقراً للقوات الأمريكية.
وقد زرت المدينة في 21 تموز/يوليو أي بعد الهجوم بأحد عشر يوماً فقط، وشاهدت آثار الدمار والحريق باقية كما هي علي مركز الشرطة. وقد أبلغني بعض المتابعين ممن التقيت بهم من أهل المدينة أن عدد القتلي الأمريكيين من وراء الهجوم يزيدون عن عشرين قتيلاً، علاوة علي عدد كبير من الجرحي، لأن هذا كان مقر قيادتهم.
لكن الأمريكيين لم يعترفوا علي الإطلاق بهذا العدد ولم يعطوا أهمية لهذا الهجوم، لكنهم اعترفوا بهجوم آخر وقع في الفلوجة في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 2003 واعتبروا خسارتهم في هذا الهجوم هي أكبر خسارة للقوات الأمريكية تتكبدها في يوم واحد منذ اندلاع الحرب، حيث أعلن المتحدث باسم الجيش الأمريكي الكولونيل بيل برادلي عن مقتل خمسة عشر جندياً أمريكياً وإصابة واحد وعشرين آخرين بجروح في هجوم بصاروخ أرض ـ جو أسقط طائرة هليكوبتر عسكرية من طراز شينوك في الساعة التاسعة صباح الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر فوق قرية البوعيسي في ضواحي الفلوجة.
وكانت الطائرة، تقل ستة وثلاثين جندياً بينهم طاقمها كانوا في طريقهم إلي مطار بغداد ومن ثم إلي ألمانيا والولايات المتحدة ليقضوا إجازة استجمام هناك لمدة أسبوعين.
وقد وصف دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي آنذاك هذا اليوم الذي وقعت فيه هذه الخسارة الفادحة بأنه: يوم مأساوي سيء للأمريكيين . وقال في مقابلة له مع محطة فوكس نيوز الموالية للتيار اليميني الأمريكي المحافظ الحاكم: في الحرب تكون هناك أيام مثل هذه، ومن الضروري الاعتراف بذلك ، ورغم أنه قلَّل من أهمية أن تكون هناك مقاومة منظمة ومنسقة في ذلك الوقت، إلا أنه أدرك في مقابلات أخري له في نفس اليوم مع محطات تلفزة أمريكية مثل إن بي سي و إيه بي سي علي أنه: يتوقع حرباً طويلة وصعبة . وفعلاً كانت هذه مؤشرات علي حرب طويلة وصعبة دفع ولا زال يدفع الأمريكيون ثمناً باهظاً لها
.
تصاعدت أعمال المقاومة في العراق بشكل عام وفي الفلوجة بشكل خاص بعد هذه العملية. وفي الثامن من كانون الثاني/يناير 2004 تمكنت المقاومة من إسقاط مروحية أمريكية أخري في الفلوجة أيضا قتل كل من كانوا علي متنها واعترف الأمريكيون بأنهم كانوا تسعة.
وفي يوم الثلاثاء 13 كانون الثاني/يناير أعلن متحدث عسكري أمريكي أن طائرة أمريكية من طراز إي إتش 60 قد أسقطت علي ما يبدو بنيران معادية غرب العاصمة بغداد، ونقلت الوكالات عن شهود عيان أن الطائرة أسقطت قرب الفلوجة، وفي هذا اليوم هاجمت القوات الأمريكية تجمعاً يضم المئات من أهل الفلوجة الذين كانوا مجتمعين للاحتجاج علي ممارسات سلطات الاحتلال وقيامها باعتقال امرأة من أهل المدينة. وأسفر الهجوم الأمريكي علي المدنيين المجتمعين من أهل المدينة عن مقتل ثلاثة منهم وجرح خمسة آخرين.

هذه الأحداث وضعت الفلوجة علي خارطة الإعلام الأمريكي والإعلام العالمي في وقت مبكر، ودفعت الجنود الأمريكيين إلي ارتكاب مزيد من الإهانات والتجاوزات بحق أهلها، كما دفعت أهلها إلي القيام بمزيد من العمليات ضد القوات الأمريكية.
وأذكر أني ما لقيت أحداً من أهل المدينة في أكثر من زيارة قمت بها للفلوجة بعد ذلك إلاّ وتعرّض للاعتقال أو الاستفزاز والإهانة علي أيدي الأمريكيين، كما أن وكالات الأنباء والمراسلين الغربيين في بغداد أصبحوا يتوجهون إلي الفلوجة ليروا قصة هذه المدينة التي أصبحت مدينة المقاومة وكانوا يكتبون كثيراً من التقارير الخاصة عنها
.
والفلوجة لها طبيعة خاصة بأهلها، فهي مدينة المساجد والمآذن كما يطلق عليها أهل العراق، حيث يوجد بها أكثر من مئة مسجد كلها تقريباً كان لها مآذن قبل أن يدنسها الأمريكيون ويدمروا كثيراً من مآذنها لا سيما في المعركة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2004.
أنها كانت المدينة العراقية الوحيدة التي لم يكن بها خمارة في عهد صدام حسين، وكما كانت المقاومة بها شرسة ضد القوات الأمريكية منذ بداية الاحتلال كانت كذلك ضد البريطانيين حينما احتلوا العراق في العام 1920، حتي أني وجدت قصيدة طويلة كتبها معروف الرصافي عام 1941 يمتدح فيها مقاومة أهل الفلوجة للبريطانيين يقول في بدايتها.

أيها الإنكليز لن نتناسي
بغيكم في مساكن الفلوجة

أما آخر أبياتها فيقول بعدما سرد بغي الإنكليز ومقاومة أهل الفلوجة لهم:

فثناء للرافدين وشكراً
وسلام عليك يا فلوجة

أما الموقع الجغرافي لها فإنها تبعد عن بغداد حوالي 56 كيلو متراً باتجاه الغرب، وتقع علي نهر الفرات، وهي قريبة من بحيرة الحبانية التي كانت تعتبر منتجعاً للبريطانيين، كما أنها تقع في طريق المسافرين من بغداد إلي سورية والأردن، وتعتبر أكبر قضاء في محافظة الأنبار.
ومن ناحية الأهمية الاستراتيجية فإن قاعدة الحبانية التي بناها البريطانيون أثناء احتلالهم للعراق والتي لعبت دوراً في معظم الانقلابات العسكرية التي وقعت في العراق بين عامي 1958 و1968، تقع إلي الشمال منها، وهي تعتبر من أهم القواعد العسكرية في العراق بسبب قربها من بغداد
.
ولم يسلم أهل الفلوجة بسبب انتشار التديُّن بينهم من بطش صدام حسين فقد أعدم كثيراً من أبناء المدينة الإسلاميين؛ ويروي بعض أهل الفلوجة قصصاً كثيرة حول عمليات التصفية التي كان يقوم بها صدام لأبناء الفلوجة، منها أنه في العام 1992 أعدم في ليلة واحدة تسعين شاباً ينتمون إلي معظم عشائر الفلوجة، الذين من أشهرهم الجبور، والبوعيسي، وشمر، وزوبع، والدليم، والجميلات.
ولعل بطش صدام حسين بالكثير من أبناء الفلوجة بسبب انتشار التديُّن بينهم ينفي تهمة البعثية التي حاول أركان الإدارة الأمريكية إلصاقها بمن قاموا بالعمليات العسكرية ضد الأمريكيين في هذه المرحلة، كما يؤكد أن أهل الفلوجة هم أهل محنة وصبر وابتلاء لكنهم في نفس الوقت أهل بأس وشدة وشهامة ورجولة وإباء
.
وقد وصف الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر مدينة الفلوجة في الصفحة 395 من مذكراته التي نشرت تحت عنوان عام قضيته في العراق فقال: في هذه الأثناء كانت هناك أزمة ثالثة تختمر في غرب البلد، كان الوضع الأمني في الفلوجة متفاقماً، وقد اكتسبت الفلوجة عن جدارة سمعة بأنها مدينة صلبة لا تلين، تمتد مدينة الفلوجة التي يبلغ تعداد سكانها 300 ألف نسمة، عبر منعطف في الفرات، وتشكل ملتقي لعدة طرق وقوافل تجارية تقليدية عبر الصحراء غرباً إلي سورية، وقد أصبحت طرقاً مفيدة للمهربين بعد حرب الخليج، عندما كان صدام يتجاوز عقوبات الأمم المتحدة، وعندما سيطر البريطانيون علي بلاد ما بين النهرين من العثمانيين في أعقاب الحرب العالمية الأولي، كانت المدينة مركزاً لثورة دموية، وفي مسعي للسيطرة علي المدينة جند صدام حسين أعضاء موالين في وحدات النخبة العسكرية وأجهزة الاستخبارات من القبائل .

ہ اعلامي معروف ومقدم برنامج (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية

ليست هناك تعليقات: