آخر المقالات

الاثنين، 20 أغسطس، 2007

فصول من كتاب حرب فلسطين - 2 من 4 -




محمود صلاح
سوف تظل حرب فلسطين أحد أهم الفصول في كتاب تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي ـ مهما مضت سنوات الزمان.هذه الحرب التي كانت لها مقدماتها وأحداثها وتداعياتها. أما المقدمات فقد كانت انعكاسا لحال مصر السياسية أيامها. وحال الأمة العربية أيضا.
وأما تداعياتها فأغلب الظن أنها باقية حتي اليوم.وتبقي أحداث حرب فلسطين 1948 برغم السنوات التي انقضت عليها. مثل كرة بللورية مليئة بالانعكاسات والأشكال المختلفة. تختلف رؤيتها باختلاف الراوي والسامع.ومهما كتب عن حرب فلسطين ومهما اجتهد المؤرخون وأصحاب الآراء والتحليلات. تظل شهادات الأبطال هي الأقوي والأوضح تأثيرا.وهذه شهادة اثنين من أبطال هذه الحرب..الأول..
ضابط مقاتل عاشها وواجه الموت بالرصاص فيها. ووسط ظلام خنادقها ورائحة البارود والموت عرفه العدو الحقيقي. واكتشف طريق النور لنفسه ولشعبه.
الثاني.. كاتب صحافي نادر. حمل قلمه الي ارض المعركة. وارتدي الملابس العسكرية لأول مرة في حياته. وسجل بأمانة لبني قومه تفاصيل هذه الحرب وما سبقها وما حدث فيها.وعلي السطور القادمة تفاصيل شهادة الاثنين.من حق الكاتب الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل أن يعتبر نفسه شاهد حق علي حرب فلسطين!
لقد خلع هيكل ملابسه المدنية وارتدي الملابس العسكرية وذهب إلي فلسطين قبل دخول مصر حرب فلسطين بحوالي شهرين، وكانت الأحداث هناك ساخنة في طريقها للانفجار، وكانت العصابات الصهيونية الإرهابية قد بدأت تنفذ بالسلاح مخططها لإرهاب الفلسطينيين العزل البسطاء وطردهم من قراهم والاستيلاء علي هذه القري والمدن الفلسطينية واحدة بعد الأخري.
ومن اليوم الأول لسفره في هذه المهمة الصحافية الخطيرة بدأ هيكل يرسل إلي أخبار اليوم تحقيقاته المثيرة عما يحدث علي أرض فلسطين، هذه التحقيقات التي كان لها أبلغ الأثر علي الرأي العام المصري، رغم أن الصحافة أيامها كانت تحت الرقابة. ولقد شهد جمال عبد الناصر فيما بعد بأنه كان يتابع ويقرأ تحقيقات هيكل عن حرب فلسطين.. وتأثر بها كثيرا.
وبعد مرور خمس سنوات علي حرب فلسطين..وبعد أن قامت ثورة تموز (يوليو) 1953..وبعد أن رحل الملك فاروق عن مصر للأبد وذهبت الملكية والأحزاب الفاسدة.. سجل هيكل من جديد يومياته عن حرب فلسطين.. بلا رقيب أو رقابة!هيكل يراهن يهوديا علي أن مصر لن تدخل حرب فلسطين!قال هيكل في هذه اليوميات:أحاول الآن أن أتذكر علي ضوء الصور التي ما زالت حية في خيالي، وعلي ضوء الكلمات السريعة التي خططتها في مذكراتي، وعلي ضوء الرسائل التي بعثت بها من ميدان الأحداث.. كيف بدت لي فلسطين في تلك الأيام !كان الموقف كما بدا لي في تلك الأيام.. كارثة مطلقة!
وما زالت تطن في أذني حتي اليوم عبارة قالها موظف الجوازات عند جسر اللنبي، الذي يقوم علي نهر الأردن ويربط ما بين شرق الأردن وفلسطين. نظر اليّ موظف الجوازات وقال بدهشة وعجب:ہ أنت داخل إلي فلسطين؟ـ قلت: نعم. هز الرجل رأسه واستطرد:ـ كل الناس اليوم يهربون من فلسطين، وأنت أول واحد منذ زمن طويل يطلب تصريحا بالدخول إليها!وأشهد أنني لم أفهم المعني الحقيقي لهذه العبارة التي سمعتها من موظف الجوازات عند جسر اللنبي إلا بعد أن قضيت عدة أسابيع في فلسطين، رأيت فيها كيف ضاع السلام في أرض السلام!وأذكر يوما في حيفا وقفت فيه بجوار قائد حاميتها العربي وهو يصرخ في التليفون طالبا رقم 4481 حيفا. وكان الرقم لتليفون البريغادير ستوكويل قائد منطقة حيفا الإنكليزي. وكان الجيش الإنكليزي ما زال يحتل فلسطين، وكان قد بقي من الزمن شهر علي يوم انتهاء الانتداب.وحينما رد البريغادير ستوكويل علي التليفون، سأله القائد العربي بنبرة محمومة مذعورة:ـ هل صحيح يا سيدي القائد أنكم ستتركون حيفا اليوم؟ وكيف أن اليهود يعرفون الخبر منذ أربعة أيام وقد استعدوا.. أنتم بهذا تسهلون لهم الاستيلاء علي حيفا كلها.. كيف تقول انك لا تستطيع أن تفعل شيئا؟ يا سيدي القائد انني مسؤول عن الأمن هنا حتي يوم 15 ايار (مايو) القادم!
وانقطعت المكالمة التليفونية..وبدأت أصداء انفجارات بعيدة تهز المبني الذي كنا فيه، والذي كان هو نفسه مركز انفجارات قوية تذهب أصداؤها إلي بعيد. وحين جاء الليل..كان اليهود يشنون هجوما عاما للاستيلاء علي حيفا!حيفا راكعة علي ركبتيهاومضي محمد حسنين هيكل بأسلوبه الأقرب إلي ريشة فنان موهوب في رسم أدق التفاصيل الصغيرة، يروي ذكرياته عن حرب فلسطين.. فقال: وما زالت أذكر كيف استأجرت سيارة عند الفجر، غادرت بها حيفا.. وكانت المدينة البائسة راكعة علي ركبتيها في ذلة واستسلام !
وأنا الآن أجد في ذاكرتي نماذج كثيرة متكررة لمأساة حيفا..ولقد رأيت بعيني انهيار مقاومة يافا أمام عصابات الهاغاناه. ورأيت الاستحكامات في القدس تسقط خطا بعد خط، وكانت دموعي تحجب المرئيات عن عيني وأنا جالس في مقعد في آخر سيارة عربية غادرت القدس، ودفعت خمسة وثلاثين جنيها لكي أتجول في هذه الدقائق القليلة التي سبقت اكتساح الهاغاناه لشوارع المدينة المقدسة. وجلست ليلتها أكتب رسالة عن الموقف لأخبار اليوم نشرت في أول ايار (مايو) 1948 وقلت فيها: لقد زرعها اليهود حربا، وزرعناها كلاما، وكان الحصاد دما يتدفق أنهارا علي أرض السلام .ومضيت أشرح المعركة قائلا:لقد اتبع اليهود في هذه الحرب أسلوبا أخرجته الحرب العالمية الأخيرة من أساليب، وما أشبه ما حدث في فلسطين بما حدث في فرنسا.
الضربات السريعة القوية، والطابور الخامس، سيول المهاجرين يتدفقون نحو الحدود، ويتدافعون في الطرقات، كل منهم يعمل فوق طاقته لإنقاذ ما تبقي له في الحياة، وكل منهم له قصة يرويها، قصة مليئة بالرعب والخوف!لكن الذي كان يروعني أن الجبهة العربية كانت في حالة انهيار كامل!وكانت مسؤولية هذه الجبهة مشتتة موزعة..كانت هناك مثلا جيوش التحرير العربية، وكان أكبرها جيش فوزي القاوقجي، وكانت هناك غيره مجموعات من الجيوش الصغيرة يرأسها ضباط متقاعدون أو في المعاش.
ولكن لم ألبث أن اكتشفت أن هذه الجيوش أو معظمها علي الأقل، يسعي إلي هدفين لا ثالث لهما:أولهما أنه يتجه باهتمامه الأول لا إلي مواقع المستعمرات الحصينة، إنما يهدف إلي تلك التي يسهل سلبها ونهبها!والثاني أنه يبالغ مبالغة مروعة ـ غير معقولة في بعض الأحيان ـ لكي يحصل من المبالغ المخصصة للدفاع عن فلسطين، سواء من تبرعات الحكومات العربية أو من أفراد شعوبها، علي أكبر قسط ممكن!ولقد أحسست بالانهيار الكامل في الجبهة العربية أيام معركة مشمارها عميك.
وسألت نفسي وقتها:ـ أين فوزي القاوقجي قائد أكبر جيش من جيوش التحرير؟وكان فوزي القاوقجي بعيدا عن المعركة!وسألت نفسي:ـ أين صفوت باشا القائد العام لقوات التحرير العربية؟وكان صفوت باشا لم يطأ بقدمه بعد أرض فلسطين!وسألت نفسي:ـ أين طه باشا الهاشمي مفتش قوات التحرير؟وكان الهاشمي باشا يدير معارك فلسطين من بيروت وعمان والقاهرة ودمشق!ويستمر هيكل في وصف مهزلة قوات تحرير فلسطين فيقول:وأذكر أنني ذهبت بعدها إلي عمان وقابلت الملك عبد الله بن الحسين في قصر رغدان، وكان يرحمه الله ويغفر له، ينادي في ذلك الوقت بوجوب التدخل المسلح في فلسطين، ورويت له شعوري، وما رأيت في ميادين المعارك. وقال لي جلالته:ہ إن طه باشا الهاشمي موجود الآن في عمان، وأنا أقترح عليك أن تقابله وتقول له كل شيء.وأذكر أن الملك قال لي وقتها:ہ لقد قرأت بعضا من هذا في مقالاتك التي كتبتها في أخبار اليوم .
ثم مضي الملك يقول وهو يمسك بلحيته البيضاء:ہ ومن أجل لحيتي هذه.. انس الآن أنك صحافي.. واذكر عروبتك.. وحينما تري شيئا من هذا القبيل لا تكتبه.. وانما تعال وقله لي حتي لا يكون من وراء ذلك تثبيط لهمة العرب.ومضيت بناء علي نصيحة الملك..وقابلت عددا من القواد المسؤولين عن معركة التحرير. وأذكر أن هذه المقابلة حضرها معي الأستاذ كمال صلاح الدين القنصل العام في مرسيليا اليوم. وكان وقتها قائما بالأعمال في عمان.
وأشهد أنه كان نموذجا لخير ما يمكن أن يكون عليه دبلوماسي مصري. ولم تثمر هذه المقابلة بيني وبين قواد معركة التحرير المسؤولين إلا أن زادتني ثورة علي ثورة، وسخطا فوق سخط!كان القواد العرب في ضيافة تاجر دقيق مشهور في عمان!وكان لقائي معهم في أحد مخازن الدقيق، وكنا جالسين وأكداس من أجولة الدقيق حولنا من اليمين إلي اليسار، وكان كل منهم جالسا وأمامه نرجيلة، غرس مبسمها في فمه ومضي يجذب الدخان في استمتاع كأنما ليست هناك أنقاض ولا ألسنة لهب، ولا سهول تتناثر عليها جثث القتلي، ولا دم يبلل زهور البرتقال.. في فلسطين!ولم أكن أتصور وقتها أن الجيوش العربية النظامية ـ ومن بينها الجيش المصري ـ سوف تدخل فلسطين..وكنت واثقا علي الأقل من موقف مصر. أو هكذا خيل لي في ذلك الوقت!وكانت ثقتي هذه مبنية علي عدة عوامل:
1 ـ أنني كنت أعرف أن النقراشي باشا ـ يرحمه الله ويغفر له ـ قد أوضح في مؤتمر عاليه أن مصر لن تدخل حربا رسمية في فسلطين، وأنها ستعطي كل ما تقدر عليه من مال، وستبذل ما في طاقتها من جهد، وستشجع قطوع المقاتلين وتعطيهم السلاح.
2 ـ أنني قابلت النقراشي باشا خلال يومين قضيتهما في القاهرة إجازة من أحداث فلسطين ورويت له كل ما رأيته فيها. وأذكر أنه قال لي وكان معنا ثلاثة أو أربعة من الأعزاء عليه:ـ لن ندخل بجيشنا حربا رسمية في فلسطين. ـ أن معركتنا هي أولا مع الإنكليز. ہ وقال النقراشي باشا: لقد كنت في مجلس الأمن وقلت للإنكليز اخرجوا من بلادنا أيها القراصنة. وقلت للعالم أن الجيش المصري قادر علي ملء الفراغ في قناة السويس. فكيف أعرض هذا الجيش الذي هو كل حجتي في نهاية ملء الفراغ في القناة لأية تجربة، حتي ولو كان احتمال الخطر فيها ضئيلا.
3 ـ أنني قابلت الفريق محمد حيدر وزير الحربية وقتها، وكنت وما زلت أعتقد أنه رجل طيب نظيف. ورويت له أيضا ما رأيت في فلسطين. وقال وهو يخبط بيده علي مكتبه:ـ أبدا لن ندخل حربا رسمية.. هل نحن مجانين؟ لقد فتحت باب التطوع بين الضباط والجنود وسأعطي هؤلاء المتطوعين السلاح الذي يريدونه!مصر والتدخل العسكريويمضي هيكل في شرح خلفيات وظروف دخول مصر حرب فلسطين فيقول: ولما عدت إلي فلسطين بعد هذه الأيام التي قضيتها في القاهرة، كنت كما قلت واثقا علي الأقل من موقف مصر . وأذكر أن الملك عبد الله سألني بعد عودتي من القاهرة:ہ هل قررت مصر دخول الحرب؟واقتربت من الملك أهمس في أذنه بما أعتقد، وبأن مصر علي استعداد لكل شيء إلا التدخل الرسمي المسلح، ثم شرحت له الظروف. أذكر أيضا أنني سئلت من قِبل عدد كبير جدا من أهل فلسطين في نفس الموضوع، وكانت إجابتي صريحة مستندة إلي ما كنت أعلمه، وما كنت أتصور في ذلك الوقت أنه الخط المرسوم!بل أذكر أيضا أنني عقدت رهانا غريبا في هذا الموضوع، رهانا قيمته عشرة جنيهات لم أدفعها حتي اليوم! وكنت قد سعيت عن طريق بعض المراسلين الأجانب في فلسطين لكي ألتقي ببعض قادة الوكالة اليهودية. وكانوا وقتها هم النواة لحكومة إسرائيل.
وكنت قد قابلت بن غوريون رئيس وزراء إسرائيل فيما بعد. ثم عاد هؤلاء المراسلون ورتبوا لي موعدا مع ساسون الذي كان وقتها سكرتيرا شرفيا للوكالة اليهودية.ـ وقال لي ساسون: أن الجيش المصري سيدخل حربا رسمية؟وهززت رأسي..ہ وقلت له: لا أعرف. ـ قال ساسون: سوف يضحك الإنكليز عليكم. وسوف يقدمون لكم كل إغراء لتدخلوا، ثم ينصبون لكم فخا. انهم لا يريدون جيشكم هذا الذي تدعون به القدرة علي ملء الفراغ في قناة السويس. ـ ثم مضي ساسون يقول: هل تراهن بعشرة جنيهات؟ہ قلت: قبلت الرهان!وقد التقيت بساسون بعد ذلك في باريس في شهر ايلول (سبتمبر) وكانت الحرب قد بدأت فعلا والهدنة قد فرضت، وفي مجلس الأمن مناقشات حول الهدنة وظروف الاعتداء عليها.
ووجدت ساسون فجأة أمام قاعة اجتماع اللجنة السياسية في قصر شايو يقول لي:ـ هل رأيت.. ألا تريد دفع الرهان؟!وبعدها في شهر شباط (فبراير) سنة 1949..وفي اسطنبول في مطعم عبد الله المشهور، وكان ساسون قد عين سفيرا لإسرائيل في تركيا، اقبل أحد خدم المطعم يحمل ورقة صغيرة كتب عليها:ـ ألا تريد أن تدفع رهانك؟!ہ وقال لي الخادم: السيد الجالس هناك بعث بهذه الورقة إليك!ورفعت رأسي في الاتجاه الذي أشار إليه..ووجدت ساسون بنفسه ينظر لي.. ويبتسم!ويغوص هيكل أكثر في يومياته..ويلتقط من بينها مفاتيح ذاكرته عن أيام حرب فلسطين.. وما قبلها.
ويمضي قائلا:كنت إذن واثقا ثقة مطلقة أن مصر لن تدخل حربا رسمية في فلسطين.وأذكر أن الملك عبد الله بعدها روي بعض أخبار مصر، وكنت قد عدت إلي عمان بعد جولة سريعة مع جيوش التحرير، ودعاني جلالته إلي الغداء، وجلسنا وعلي المائدة بعض خاصة جلالته. والتفت إليّ الملك وقال:ـ لا بد أن أخبار مصر قد أوحشتك؟قلت للملك:ہ هذا صحيح.. فقد مضي عليّ أكثر من أسبوعين لم أقرأ جريدة مصرية ولم أسمع أخبارا من مصر.
قال الملك:ـ إذن اسمع.. أهم ما سمعته من أخبار مصر في الأيام الأخيرة، خبران: الأول أن محاولة قد وقعت لنسف بيت النحاس. وسكت الملك دقيقة ثم استطرد:ـ وعلي فكرة أرسلت له برقية بالنجاة.. فهل تظن أن فاروق سوف يغضب؟ثم استطرد الملك يقول:ـ والخبر الثاني أن النقراشي قال في جلسة سرية في البرلمان المصري، أنه لا يستطيع أن يوافق علي دخول مصر حربا رسمية في فلسطين حتي لا يعرض الجيش الذي يعتمد عليه في سد الفراغ في قناة السويس لأية مخاطرة.
وسكت الملك.. ثم قال:ـ وليكن للنقراشي ما يريد.. أما أنا فسوف آمر الجيش العربي أن يتقدم، وأنا مستعد وحدي أن أتحمل المسؤولية، ولكن أريد العون المادي والأدبي من مصر. وأذكر أيضا أنني قابلت الأستاذ عبد الرحمن عزام في ذلك الوقت في عمان. ہ وقال لي عزام: كل الذي يراد من مصر هو المال والمتطوعون!ومضي الأستاذ يؤكد..ہ قائلا: لقد أعددت ثلاثة آلاف ليبي وتم تدريبهم. وأنا أعتقد أننا نستطيع بهم أن نصنع شيئا في فلسطين!وكان كل هذا يضاعف يقيني أن مصر لن تدخل حربا رسمية في فلسطين!صحف وروايات خيالية عن بطولات وهميةفي ذلك الوقت بالتحديد..وصلت بعض الصحف المصرية إلي عمان وقرأها هيكل. ولفت نظره أن الصحف المصرية كانت تنشر روايات خيالية عن بطولات جيوش التحرير العربية في فلسطين، وفي نفس الوقت تقلل من أهمية القوات اليهودية!
ويتأثر هيكل كثيرا بما قرأه في الصحف المصرية. كان يعلم أن هذه ليست الحقيقة..ولا يتردد هيكل في أن يغادر عمان في نفس اليوم متجها إلي فلسطين، لكي يقوم بتحقيق صحافي عن القوة العسكرية اليهودية. وكل هدفه أن ينقل صورة واضحة وأمينة للمصريين، الرسميين وغير الرسميين، عن قوات اليهود. ويقضي هيكل أسبوعا يتنقل بين القدس العربية وجنين وطولكرم ورام الله..ثم يعود إلي عمان ليكتب رسالة صحافية يضمنها كل المعلومات التي حصل عليها في جولته ويرسل بها إلي أخبار اليوم التي تنشر هذه الرسالة يوم 8 ايار (مايو) 1948 أي قبل أسبوع من دخول الجيوش العربية حرب فلسطين رسميا!
وكان عنوان هذه الرسالة الصحافية التي كتبها هيكل يقول:الهاغاناه وأسرار العاصفة التي تجتاح فلسطين .ـ وقال هيكل في رسالته الصحافية: ان اليهود في فلسطين تحولوا إلي عصابات من أمثال عصابة شتيرن، وبرز جيش الهاغاناه ـ أي جيش الدفاع ـ ولكنه هذه المرة كان معدا للهجوم وليس الدفاع!وشرح هيكل في رسالته قصة الهاغاناه وتسليمه، وكيف تم إعداد أفراده تحت اسم الفيلق اليهودي الذي اشترك في الحرب العالمية الثانية. ـ وقال هيكل في رسالته الصحافية: أما قصة الهاغاناه تسليما وإعدادا فقد بدأت قبل ذلك بكثير.
كانت الوكالة اليهودية تحلم دائما بإنشاء جيش، وكانت دائما تعد لهذا الجيش عدته، حتي إذا جاء اليوم الذي تسمح فيه الظروف بقيامه، وجد بين يديه عدته وسلاحه. وانشئت في بلغاريا وإيطاليا ويوغوسلافيا ورومانيا وروسيا وغيرها من البلاد معسكرات أطلق عليها اسم الكابوتسي أو الطلائع، واليها كان يهرع المتحمسون من شباب إسرائيل يتدربون علي حياة المستعمرات وعلي أساليب القتال .
وحتي مصر أثبتت الحوادث أنه كان فيها واحدة من هذه الكابوتسي، وكان مقرها مزرعة صغيرة يملكها أحد المحامين في الهرم!وبين الحين والحين كانت تتسلل في البحر الأبيض المتوسط باخرة تلقي علي شواطئ فلسطين بجماعات من هذه الطلائع يقودهم الأدلاء إلي المستعمرات. ومن ثم إلي صفوف الهاغاناه.
وفي نفس الوقت كان التسليح يدور علي نطاق واسع!وتم شراء 38 طائرة دفعة واحدة من أمريكا!وتم شراء 24 طائرة من إنكلترا قامت عليها ضجة في مجلس العموم البريطاني، ولكن اليهود استطاعوا أن يخنقوا الضجة، فلم تلتفت إلا أنظام قلائل!وتم استيراد شحنات من المسدسات الضخمة من طراز مونشاير.
وتم استيراد مصانع ذخيرة أنشئت في مستعمرة بات جليم. وسجلت تقارير تلقاها أحد الملحقين الحربيين في القدس، أن اليهود حشدوا في مستعمرة قضاء الأخضيرة 36 دبابة كبيرة من طراز تشرشل!وقبل ستة أسابيع من سقوط فلسطين ـ وكان اليوم الموعود قد لاح في الأفق ـ وصل إلي حيفا علي ظهر الباخرة علي أنها جرارات زراعية ومحاريث!
ولم تقيد هذه الشحنة لحساب الوكالة اليهودية كباقي ما كانت تحمله باخرة السهم الطائر بل قيدت تحت الطلب حتي يسهل للوكالة اليهودية التخلص من تبعة استيرادها إذا انكشف أمرها في الميناء!اسنعدوا ليوم 15 اياروفي نهاية رسالته الصحافية قال هيكل:ويقول الملحقون الحربيون والصحافيون الأجانب وغيرهم من الباحثين عن السر والحقيقة لكل من يقابلونه من المسؤولين العرب:استعدوا ليوم 15 ايار (مايو)..
في مطارات أوروبا الجنوبية وفي موانيها، طائرات مستعدة، وبواخر محملة بالرجال.. وهي تنتظر اليوم الموعود لتهبط فجأة علي الأرض المقدسة، أو تظهر فجأة أمام موانيها. يومئذ سيكون الغزو الحقيقي.. فاستعدوا له.وليس هذا فقط..بل ان بعضهم يقول همسا، وقد تكرر الهمس في أكثر من مرة في أذن أكثر من عربي مسؤول:ـ أنتم تعرفون أن هذه هي المعركة الأخيرة للصهيونيين، إن انتصروا فيها فلهم فلسطين، ومن يدري أيضا، وان انهزموا فليس هناك سوي البحر، وهم يدركون هذا ويعلمون أن المعركة القادمة أملهم الوحيد، ولهذا فانهم سوف يقدمون علي أي شيء. ثم يضغط الهامسون علي ألفاظهم ويقولون:ـ استعدوا. ثم يهمس أحدهم همسات مرتجفة ويقول:
ـ في مستعمرة روفوبوط بالقرب من يافا معمل للتجارة المعملية أشرف علي إعداده وايزمان بنفسه، وكان هذا المعمل يجري أخيرا تجارب علي بعض الجراثيم، ثم من يدري؟ هذه حرب حياة أو موت. فلسطين.. أو البحر. واليهود يعرفون هذا..
ثم يقول الهامس للمرة الأخير:استعدوا!.




ليست هناك تعليقات: