آخر المقالات

الأربعاء، 22 أغسطس، 2007

فصول من كتاب حرب فلسطين - 3 من 4 -





فصول من كتاب حرب فلسطين: مذكرات جمال عبد الناصر ويوميات محمد حسنين هيكل (3) اللواء المواوي: أشك في كثيرين. وأنا علي استعداد لأن أسميهم أتهم بريطانيا بأنها نصبت لنا فخا في فلسطينالنقراشي: موقفنا بين الدول العربية يحتم علينا الدخول. الاشتباكات ستكون مجرد مظاهرة سياسية وليست عملا حربيا
21/08/2007




محمود صلاح

سوف تظل حرب فلسطين أحد أهم الفصول في كتاب تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي ـ مهما مضت سنوات الزمان.هذه الحرب التي كانت لها مقدماتها وأحداثها وتداعياتها. أما المقدمات فقد كانت انعكاسا لحال مصر السياسية أيامها. وحال الأمة العربية أيضا.
وأما تداعياتها فأغلب الظن أنها باقية حتي اليوم.وتبقي أحداث حرب فلسطين 1948 برغم السنوات التي انقضت عليها. مثل كرة بللورية مليئة بالانعكاسات والأشكال المختلفة. تختلف رؤيتها باختلاف الراوي والسامع.ومهما كتب عن حرب فلسطين ومهما اجتهد المؤرخون وأصحاب الآراء والتحليلات.
تظل شهادات الأبطال هي الأقوي والأوضح تأثيرا.وهذه شهادة اثنين من أبطال هذه الحرب..الأول.. ضابط مقاتل عاشها وواجه الموت بالرصاص فيها. ووسط ظلام خنادقها ورائحة البارود والموت عرفه العدو الحقيقي. واكتشف طريق النور لنفسه ولشعبه.الثاني..
كاتب صحافي نادر. حمل قلمه الي ارض المعركة. وارتدي الملابس العسكرية لأول مرة في حياته. وسجل بأمانة لبني قومه تفاصيل هذه الحرب وما سبقها وما حدث فيها.وعلي السطور القادمة تفاصيل شهادة الاثنين.ا


لجيش.. للجنازات وقمع المظاهرات!

ربما كان محمد حسنين هيكل هو الصحافي العربي الوحيد الذي كشف أسرار حرب فلسطين. ليس فقط أثناء وبعد هذه الحرب، بل قبيل وقوعها أيضا!وقد لا تكون حرب فلسطين أكثر الحروب والأحداث العالمية التي شهدها هيكل من ناحية الإثارة، لكنها بكل تأكيد كانت أهم هذه الأحداث.
ذلك أن مصرية وعروبة هيكل كانت واضحة للغاية في رسائله الصحافية التي كتبها من ميادين الأحداث في فلسطين، فقد شهد وسجل معاركها وأحداثها بنفسه. وكان هيكل حتي آخر لحظة قبل الحرب مقتنعا للغاية ـ حسب معلوماته ـ أن مصر لن تدخل هذه الحرب بطريقة رسمية.
وفي نفس الوقت فقد كشف هيكل في يومياته عن حرب فلسطين ورسائله عنها، مهزلة جيوش التحرير العربية، وفضح الروايات الخيالية التي كان البعض يرددها عن بطولات هذه الجيوش!
وحقق هيكل سبقا صحافيا خطيرا عندما كشف محاولات التسليح اليهودية السرية، وشحنات الأسلحة والمهاجرين اليهود التي كانت تدخل فلسطين عبر البحر في سرية تامة، وكيف أن اليهود كانوا علي استعداد تام لكل شيء في اليوم الموعود، يوم 15 ايار (مايو) 1948، وكانوا يدركون أنها أهم معاركهم المصيرية وأنهم جاهزون تماما لها!ونقل هيكل في رسالة صحافية لأخبار اليوم نشرت قبل أسبوع كامل من دخول حرب فلسطين التحذيرات الأخيرة للعرب لكي يستعدوا للمواجهة التاريخية!
ومضي هيكل في يومياته يسترجع مشاعره خلال هذه الفترة الحساسة قائلا:ولست أدري لماذا كنت أضغط هذا الضغط كله، علي ضرورة الاستعداد ليوم 15 ايار (مايو)، ولكني لا أتصور أنه سيدخل الحرب رسميا.ثم كانت المفاجأة الكبري لي يوم الجمعة 14 ايار (مايو) 1948..مع النقراشي وشاهد امام التاريخ عدت الي القاهرة في ذلك اليوم أستطلع الموقف، وإذا أول خبر أعرفه أن الجيش المصري سيدخل فلسطين عند منتصف الليل.
وأذكر أنني قابلت النقراشي باشا، وكذلك قابلت الفريق محمد حيدر، وكانت الظروف قد تغيرت من النقيض الي النقيض!وأذكر ـ وأنا أقف أمام التاريخ شاهد حق ـ أن الحديث بيني وبين كلا الرجلين قد جر الي قوة اليهود، ولفت نظر الاثنين الي المقال الذي كنت قد نشرته قبل أسبوع في نفس الموضوع.وأذكر أن كليهما قال لي في تلك المناسبة أنه يعتقد أن المعلومات الواردة فيه مبالغ فيها!لكن وقبل هذا كله: ما الذي كان قد غير اتجاهنا في فترة أسبوع واحد؟!
لقد كان رئيس وزراء مصر قبل أسبوع واحد يصر علي أنه لا يعرض الجيش المصري الذي يعتمد عليه في نظرية ملء الفراغ من قناة السويس، لا يعرضه لأية مخاطرة؟!لماذا تغير الاتجاه.. وماذا حدث؟ هل وثقنا أن الأمر ليس مخاطرة؟هل أعددنا للأمر عدته؟هل دخلنا الحرب متأهبين لكل احتمالاتها؟ما الذي جري؟وهنا أترك مكاني، مكان شاهد الحق أمام التاريخ لشاهد آخر يستطيع أن يتكلم عن ثقة وعن تجربة. والشاهد هو اللواء أحمد محمد المواوي، أول قائد مصري لحملة فلسطين!ويعترف هيكل في يومياته بأنه لم يكن يهمه الدور الذي قام به اللواء المواوي في معركة فلسطين، وانما كانت تهمه شهادته عن فترة ما قبل المعركة مباشرة، لأن في هذه الفترة ما يجيب علي الأسئلة السابقة، أو علي الأقل يلقي عليها شعاعا من نور!أما شهادة اللواء المواوي فقد سمعها هيكل من فمه مباشرة في نفس يوم عودته معزولا من منصب القائد العام في فلسطين، وكان الرجل يتكلم بحرقة، جرت معها التفاصيل متدفقة.. ذات هدير!
وقد كتب هيكل تفاصيل شهادة اللواء المواوي، واحتفظ بهذه التفاصيل ليومياته.شهادة اللواء المواوي : بريطانيا نصبت لنا فخاـ وقال لنفسه: ربما.. ربما يجيء يوم!ويومها قال اللواء المواوي لهيكل:انني أشك في كثيرين.. وأنا علي استعداد لأن أسميهم بأسمائهم! وأنا أتهم بريطانيا بأنها نصبت لنا فخا في فلسطين.
وجدتنا نصرخ في وجهها في مجلس الأمن لكي تخرج من بلادنا، ووجدت عندنا جيشا ـ وان لم يكن وقتها جيشا بالمعني المفهوم! ـ ولكننا كنا ندعي به القدرة علي ملء الفراغ في قناة السويس.ووجدت إنكلترا في خزائننا مالا فائضا من رخاء الحرب العالمية الثانية كنا نشد به ظهرنا.
وأرادت إنكلترا أن تخمد الصوت الذي يصرخ في وجهها، وأن تذل الجيش الذي ندعي به القدرة علي ملء فراغ قناة السويس، وأن تخرب الخزائن العامرة بالمال !ولست أعرف بالتحديد كيف وصلت بريطانيا الي إيقاعنا في الفخ الذي نصبته لاصطيادنا. ولكني واثق من النتيجة، وهي أن فلطسين بظروفها وملابساتها كانت فخا سقطنا فيه، بعضنا بحسن نية، والبعض الآخر بنية أسود من الليل البهيم!
ومضي اللواء المواوي يقول لهيكل:ـ وعلي أي حال.. فلأعد الي دوري في المسألة.. لم أكن راضيا أبدا عن جيشنا. لم يكن فيه تدريب ولا استعداد. ولا اذكر أننا قمنا بمناورة واحدة من سنة 1931 الي سنة 1948!وكان الجيش في تلك الأيام موزعا بين الاحتفالات، كسفر كسوة المحمل أو المولد النبوي، وبين أعمال الوزارات العادية.
وزارة المالية مثلا كانت تستعير من الجيش فرقة للحراسة. ووزارة الصحة تستعير بعض أفراد فرقة لمقاومة الفيضانات، ووزارة الصحة تستعير بعض فرق الجيش لمكافحة الجراد! ووزارة الصحة كانت تستعير فرقا من الجيش: في الحرب ضد الأوبئة مثل الكوليرا.. ووزارة الداخلية كانت تستعير بعض فرق الجيش لحفظ النظام وقمع المظاهرات!
هكذا تحول الجيش الي أداة مدنية!وكاد يفقد تماما الروح العسكرية!وفي ايلول (سبتمبر) 1947 قرأت في الصحف عن المناقشات الدائرة حول التقسيم. وسمعت كلاما كثيرا عن استعداد الدول العربية وجهودها ضد التقسيم ولو بالقوة!لكن لم أتخيل أن الظروف قد تتطور الي ما تطورت إليه فعلا. ولم أدرك أيضا أنه سيكون لي أي دور في هذه التطورات!

مؤتمر لمعسكر في العريش

ثم سمعت ذات يوم عن مؤتمر عقده الفريق إبراهيم عطا الله رئيس هيئة أركان حرب الجيش في ذلك الوقت. وسمعت أن للمؤتمر صلة بالتطورات في فلسطين. ولكني تأكدت أن المؤتمر كان هدفه عمل معسكر تدريب في العريش،

!وحضر هذا المؤتمر قواد الجيش.. لكني لم أكن بينهم!

وفي المؤتمر التفت إبراهيم عطا الله الي الجالسين وقال بالنص:

مين حايكون قائد القوة في العريش؟.. يا جماعة ياللي قاعدين من يحب يكون قائد القوة؟وقال اللواء محمود شاهين الذي كان حاضرا الاجتماع:ـ

أنا أروح!

لكن اللواء موسي لطفي قال:

ہ شاهين بتاع طوبجية لا يفهم في التدريب..

ابعثوا مدير المشاة.

وكنت أنا مدير المشاة!

وهكذا وقع الاختيار عليّ بكل بساطة!

ومضي اللواء المواوي يكمل القصة لهيكل قائلا:

ولقد ثرت علي هذا القرار ..ـ وسألتهم:

هل الغرض هو التدريب؟ہ قالوا: نعم.ـ

قلت: وهل تبعثون مدير المشاة لكي يدرب أورطة واحدة فقط؟!لكن لم تكن هناك فائدة من كثرة الكلام. فبدأت أستعد للذهاب!وكانت في رأسي صورة واضحة عن أحوال التدريب في الجيش.
فقد كنت قبل عملي مديرا للمشاة أعمل في لواء التدريب.وسافرت الي العريش..علي أن تجيئني كتائب الجيش لأقوم بتدريبها كتيبة كتيبة. لكن عندما وصلت الي المعسكرات المخصصة للتدريب. وجدت أنها ليس فيها شيء علي الإطلاق.
ورجعت الي القاهرة أطلب مقابلة رئيس أركان الحرب، وقدمت له قائمة بطلباتي..ہ فقال لي الفريق إبراهيم عطا: أنت عاوز مني إيه؟ومع ذلك عدت إلي العريش..ولكن كانت بيننا وبين التدريب استحالات قوية. وفي تلك الفترة كتبت تقارير طويلة طالبت فيها بما يجعل التدريب مجديا، وقلت في هذه التقارير أنه ليست عندي أسلحة كاملة، ولا سيارات ولا معدات.. ولا ضباط ولا صف ضباط!ولقد عرفت بعد ذلك التأثير الذي أحدثته تقاريري!
عدت الي القاهرة..وطلبت مقابلة الفريق إبراهيم عطا الله لكنه رفض مقابلتي حتي التقيت به بالمصادفة في صالة رئاسة أركان الحرب، فتقدمت منه أشرح له ظروفي.ہ فقال لي عطا الله: يا أخي.. أنت خلصت الورق في الكتابة!
ثم قال لي:ہ اسمع: أنا ح أجيلك مرور في العريش!وعدت الي العريش وبعد مدة جاءنا إبراهيم عطا الله، وكانت أسنانه تصطك من البرد، ولم يقض معنا وقتا.. بل أسرع عائدا الي القاهرة!وبعدها جاء الفريق محمد حيدر وزيرا للحربية.. وخرج عطا الله من رئاسة أركان الجيش!
وفي ذلك الوقت كثرت أحاديث الصحف عن فلسطين..ومنها وحدها كنت أستقي معلوماتي!وأذكر أن ضباطا جاؤوا من القاهرة ليتسللوا الي فلسطين لأعمال خاصة للحصول علي معلومات. ورأيت أن من واجبي أن أذهب الي القاهرة وأفهم ماذا يحدث ورائي، وأقابل وزير الحربية وأشرح له الحالة.
وقابلت الفريق محمد حيدر فعلا.وشرحت له في أول مقابلة كل أفكاري عن التدريب، وما نحتاج إليه من معدات. وقلت له أن بعض العرب جاؤونا يطلبون المساعدة في تدريبهم!قال لي الفريق محمد حيدر:ہ بعدين أقول لك!وواصل اللواء المواوي حكايته المؤسفة أمام هيكل قائلا:
وبعدها زارنا حيدر في العريش وبدأ يحاول تكملة النقص عندنا. وفي ذلك الوقت اصطدمت بمشكلة أخري وهي مشكلة قواد الكتائب الذين لا يريدون أن يعملوا !كان من رأيي أن تبقي كل كتيبة في معسكر التدريب ستة شهور، ولكن قواد الكتائب لم يعجبهم أن يبقي الواحد منهم ستة شهور متصلة في العريش!وأذكر أنه في ذلك الوقت جاءتني الكتيبة التاسعة، أول كتيبة كان عليّ تدريبها.
ولم تقض الكتيبة في التدريب إلا ثلاثة شهور فقط ثم نقلت عائدة الي مصر!ثم علمت بعد ذلك أن هذه الكتيبة أصبحت كتيبة أمن عام، وأنها وضعت في هايكستيب.. لمقاومة مظاهرات الطلبة!
ثم جاءتني الكتيبة السادسة..وكانت في حالة يرثي لها!كانت عائدة من السودان، وكانت مهلهلة في ملابسها ومهماتها وذخائرها!وقررت أن أبدأ بعمل طابور معركة لهذه الكتيبة لأري كيف تستيطع أن تعمل. وحددت لها مشروعا يبدأ من العريش الي موقع يبعد سبعين كيلو مترا عنها.وبدأت العيون تظهر!وقفت الحمالات والمدافع واللوريات علي الطريق معطلة!وأقسم أن السبعين كيلومترا كانت مرسوما خطا بالمعدات المعطلة!وبينما العملية مستمرة..
تلقينا إشارة من مدير العمليات وكان وقتها اللواء موسي لطفي. وكانت الإشارة تقضي برجوع الكتيبة.. الي القاهرة!واتصلت بموسي لطفي في التليفون..ـ وقلت له: الكتيبة في وسط التدريب.ہ رد موسي لطفي ثائرا: تدريب إيه..؟ إحنا عاوزينها بسرعة.. فيه إضراب في البوليس وعاوزين الكتيبة حالا!استعدت الكتيبة للعودة الي القاهرة بسرعة..وبينما هي في الطريق.. انتهت أزمة إضراب البوليس!وهكذا..وجدت أن لا عمل لي في معسكر التدريب فعدت الي القاهرة أحاول أن أفهم ما يجري!وكتبت أكثر من مئة خطاب سري أسأل فيه ما هو الغرض؟ہ قالوا لي: التدريب!ـ قلت: هذا كلام غير معقول.ہ أخيرا قالوا لي: سوف نسأل الجهات المختصة!ثم عقد بعد ذلك مؤتمر ہ وقالوا لي فيه: إيه طلباتك؟ـ قلت: لا أستطيع أن أحدد طلباتي.. إلا إذا قلتم لي ما هو طلبكم؟ وبعد مناقشات ومداورات..ہ قالوا لي: هل تذكر تقريرك السابق؟ لقد كنت تطلب المعدات لتدريب كتيبة.
سوف تنفذ لك طلباتك في هذا التقرير!هكذا شرح اللواء المواوي لهيكل مهزلة حال الجيش المصري قبل أيام أو أسابيع من دخوله حرب فلسطين..ومضي ينهي قصته قائلا:وجاء يوم 10 ايار (مايو) 1948 ..كنت في العريش وتلقيت برقية تطلب حضوري بسرعة الي القاهرة، ودعيت لمقابلة الفريق محمد حيدر الذي سألني: إيه الحالة عندك؟ہ قلت: سيئة للغاية!ـ

قال: سوف نضطر لدخول حرب في فلسطين!ہ قلت له: الوحدات غير مدربة.فقد كنت مسؤولا عن التدريب في الجيش وأنا أعلم حاله. وكنت قائدا لسلاح المشاة وأنا أعلم أننا غير مستعدين إطلاقا.وسكت حيدر بعض الوقت..ـ
ثم قال لي: اسمع يا مواوي.. دولة النقراشي باشا جاي يحضر اجتماع في رياسة الجيش، تعال معي وقل له هذا الكلام.وذهبت الي الاجتماع..وجلست أمام النقراشي أروي له معلوماتي بصراحة.ہ وقال لي النقراشي: موقفنا بين الدول العربية يحتم علينا الدخول!ثم تكلم طويلا..وكان أبرز ما قاله أنه رحمه الله تصور أنني خائف من العملية. وقال أنه يعتقد أن المسألة سوف تسوي سياسيا بسرعة، وأن الأمم المتحدة سوف تتدخل، وأن الاشتباكات ستكون مجرد مظاهرة سياسية، وليست عملا حربيا!وكتبت تقريرا رسميا بكل آرائي..ثم أطعت الأوامر الصادرة لي بالسفر..وركبت الطائرة الي العريش.وفي اليوم السابق للعملية. جاءتني الخطة في مظروف سري وصلني بالطائرة.

وبدأت المأساة

وهنا لا ينسي هيكل في يومياته أن يسجل ملاحظاته حول ما قاله اللواء المواوي. وهي ملاحظات أخذت شكل أسئلة. قال هيكل أنها محيرة، وهي:ہ ما الذي دعا لأن يتغير موقف مصر في الأيام الخمسة الأخيرة؟ہ لماذا عدل النقراشي عن نظريته في عدم تعريض الجيش لأي خطر، حتي لا يمس نظريته في قدرة الجيش علي ملء الفراغ؟ہ ولماذا قال حيدر للمواوي: تعال معي الي رئيس الوزراء وقل له كل هذا؟ہ ومن هم الأشخاص الذين لعبوا أدوارا وراء الستار؟ہ وما هي القيادات التي وجهت الحوادث الي الاتجاه الذي سارت فيه؟ہ وماذا جري في الفترة الواقعة بين أول ايار (مايو).. والعاشر منه؟
وقبل أن ينهي هيكل هذا الجزء من يومياته، يوجه نداءً لمن يعرفون الإجابات عن هذه الأسئلة..ويتساءل هيكل:لماذا لا يتقدمون بشجاعة وشرف ويرفعون أيديهم في إخلاص ويقفون شهود حق أمام التاريخ، ويفتحون صدورهم لتخرج منها الأسرار الحبيسة المقيدة بالأغلال !هكذا كان هيكل ينادي..فهل استجاب أحد للنداء؟


سلاح مصر إلي فلسطين.. سرقوه في الطريق

!لماذا عاد الكاتب الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل بعد مرور خمس سنوات علي حرب فلسطين 1948 ليكتب من جديد يوميات عنها. رغم أنه قبل وأثناء وبعد هذه الحرب كان مراسلا عسكريا لـ أخبار اليوم وعاش تفاصيل الحرب وكتب عنها رسائل صحافية تاريخية؟في يومياته نفسها..يجيب هيكل علي هذا السؤال..
ويقول: كانت قد مضت خمس سنوات كاملة علي حرب فلسطين.. خمس سنوات طويلة.. حافلة.. مثيرة.. وظهرت أسرار كثيرة كانت غامضة.. وانطلقت حقائق رهيبة كانت مقيدة، وبانت جوانب مختلفة للصورة.. كانت الظلال تسقط عليها فلا يبدو منها إلا الظلام!وقال هيكل في بداية يومياته:ـ وأنا أشعر بعد هذا الزمن والأحداث أنني أستطيع أن أقف شاهد حق أمام التاريخ، لأقف شاهد حق أمام التاريخ، لأروي القصة كما رأيتها وكما عشتها وكما أحسست بها.. بلا رقابة وبلا قيود ولا ظلمات!وأشعر أنني الآن أستطيع أن أرويها، بعد أن تخلص عقلي من ظروف الزمان والمكان، زمان فلسطين ومكانها .كيف عشت مشكلة فلسطين.. وكيف رأيت المعاقل العربية تسقط واحدة بعد الأخري.. وكيف انهارت المقاومة العربية.. وكيف كنت أعرف أن مصر لن تدخل حربا رسمية في فلسطين ؟..وكيف استعد اليهود لليوم الفاصل!وحين طالب هيكل في يومياته بأن يتقدم شهود الحق علي هذه الحرب للإدلاء بشهاداتهم أمام التاريخ، كان بالتأكيد يعلم من هم شهود الحق هؤلاء، وكان أولهم من وجهة نظر هيكل محمود فهمي النقراشي رئيس وزراء مصر، والذي كان لديه السر الكبير. لماذا وكيف تغير موقف مصر من النقيض الي النقيض؟!لكن النقراشي.. كان قد مات ورحل عن الحياة!
يقول هيكل في يومياته:وأنا آسف علي أن شاهد الحق الأول الذي كان يجب أن يقف أمام التاريخ ويفتح صدره ويطلعنا علي الأسرار الحبيسة فيه، لا يستطيع اليوم أن يتكلم !لقد ذهب الرجل الذي يستطيع ـ أكثر من غيره ـ أن يروي القصة كاملة، وأن يلقي بعض النور علي الأحداث الرهيبة التي وقعت في الأيام القليلة السابقة علي دخول الجيش المصري الي حرب فلسطين!ولسوف يظل موقف هذا الرجل ـ محمود فهمي النقراشي ـ لغزا كبيرا!ولن يجدي التاريخ ـ ولا النقراشي ـ حماسة المتحمسين للرجل!والعجيب أنه هو نفسه ـ قبل غيره ـ كان صاحب نظرية عدم دخول مصر حربا رسمية في فلسطين.
وكانت حججه في ذلك واضحة قاطعة، تنم في صميمها علي اقتناع الرجل بها!أذكر أنني سمعته يتكلم أكثر من مرة في هذا الموضوع..وأذكر أن النقراشي قال بالحرف الواحد: لقد ذهبت الي مجلس الأمن وطالبت الإنكليز بالخروج من بلادنا. وقلت للعالم كله أن الجيش المصري قادر علي ملء الفراغ في قنال السويس. وقادر علي الدفاع عنا. وأنا لا أريد أن أعرض هذا الجيش الذي هو كل حجتي وسندي في القضية المصرية الي تجربة خطيرة، ولو كانت نسبة الخطر في دخول الجيش الي فلسطين لا تزيد علي عشرة أو خمسة في المئة، فإنني لا أرضي أن أجازف، ولا بواحد في الألف!يقول هيكل في يومياته:ولم أكن أنا الوحيد الذي سمع هذا الكلام من النقراشي وانما سمعه، ذلك الوقت كل من تحدثوا إليه في مشكلة فلسطين، بل انه ـ يرحمه الله ويغفر له ـ قال هذا الكلام رسميا في جلسة سرية عقدها مجلس النواب المصري في الأيام الأخيرة من شهر نيسان (أبريل) سنة 1948.ومع ذلك فان هذا الرجل نفسه، وبعد أيام قليلة من موقفه هذا وقبل أيام قليلة من التاريخ الفاصل، 15 ايار (مايو) 1948، غير اتجاهه!من أقصي اليمين.. الي أقصي اليسار!
وأصبح فجأة متحمسا لدخول الجيش حربا رسمية في فلسطين، واقتنع فجأة بأن الأمر ليس فيه مجازفة. وأكثر من هذا مضي يدعو الناس الي مشاركته في حماسته واقتناعه.فما الذي حدث؟انني وأنا أقف شاهد حق أمام التاريخ، أحس أن النقراشي قد خدع خديعة كبري، وأنه ـ يرحمه الله ويغفر له ـ كان ضحية مؤامرة محبوكة الأطراف!
ولكن وأنا أقف شاهد حق أمام التاريخ لا أجد مفرا من أن أقول أن هذا كله لا يعفي النقراشي من المسؤولية أمام التاريخ!ولقد أصبحت أعتقد الآن، أن الصورة الحقيقية للموقف لم تكن واضحة في خياله، بل أن بعض القوي والظروف ـ وسوف أعود الي ذلك بالتفصيل ـ قد تآمرت علي أن تفرض صورة معينة علي خيال الرجل!وهناك وثيقة هامة أحب أن أقف أمامها طويلا.
والوثيقة هي محضر دقيق للذي قاله النقراشي في الجلسة السرية لمجلس النواب، وهي الجلسة التي تحمس فيها النقراشي لدخول حرب فلسطين. ومضي يقنع النواب ويثبت في صدورهم حماسته.لقد رسم النقراشي بحديثه في هذه الجلسة صورة الموقف كما كان يتصوره، أو علي الأصح كما صور له!وكان الفارق مروعا بين الصورة كما رسمها النقراشي في مجلس النواب، والصورة كما رسمتها الأحداث في فلسطين!وسر حرب فلسطين الكبير هو هذا بالذات!
هو هذا الفارق بين الصورة الحقيقية للموقف، وبين الصورة التي وضعت في خيال رئيس وزراء مصر في ذلك الحين.ولسوف أستعرض خطاب النقراشي فقرة فقرة، وأضع بعد كل صورة منه رسمها رئيس الوزراء النقراشي ناحيتها الأخري.. الصورة الثانية التي رسمتها الأحداث علي مسرح المعركة في فلسطين!


منقول من القدس
العربي
21/08/2007

ليست هناك تعليقات: