آخر المقالات

الجمعة، 24 أغسطس، 2007

-فصول من كتاب حرب فلسطين: مذكرات جمال عبد الناصر ويوميات محمد حسنين هيكل -جزء 4




فصول من كتاب حرب فلسطين: مذكرات جمال عبد الناصر ويوميات محمد حسنين هيكل (4) اسلحة الجيش استبدلت ببنادق هزيلة ينطلق منها سعال مبحوح. والجيدة بيعت في السوق السوداءشتائم بين عبدالله والقوتلي تتراوح بين كلب خائن ولص. وخلاف لغوي في برلمان مصر حول جيش العراق الباسلة
منقول من القدس العربي
22/08/2007


محمود صلاح
سوف تظل حرب فلسطين أحد أهم الفصول في كتاب تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي ـ مهما مضت سنوات الزمان.هذه الحرب التي كانت لها مقدماتها وأحداثها وتداعياتها. أما المقدمات فقد كانت انعكاسا لحال مصر السياسية أيامها. وحال الأمة العربية أيضا.
وأما تداعياتها فأغلب الظن أنها باقية حتي اليوم.وتبقي أحداث حرب فلسطين 1948 برغم السنوات التي انقضت عليها. مثل كرة بللورية مليئة بالانعكاسات والأشكال المختلفة. تختلف رؤيتها باختلاف الراوي والسامع.ومهما كتب عن حرب فلسطين ومهما اجتهد المؤرخون وأصحاب الآراء والتحليلات. تظل شهادات الأبطال هي الأقوي والأوضح تأثيرا.
وهذه شهادة اثنين من أبطال هذه الحرب..الأول.. ضابط مقاتل عاشها وواجه الموت بالرصاص فيها. ووسط ظلام خنادقها ورائحة البارود والموت عرفه العدو الحقيقي. واكتشف طريق النور لنفسه ولشعبه.الثاني.. كاتب صحافي نادر. حمل قلمه الي ارض المعركة. وارتدي الملابس العسكرية لأول مرة في حياته. وسجل بأمانة لبني قومه تفاصيل هذه الحرب وما سبقها وما حدث فيها.وعلي السطور القادمة تفاصيل شهادة الاثنين.

خطاب النقراشي
وفي نفس اليوميات
سجل هيكل بمنتهي الأمانة خطاب محمود النقراشي رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت أمام مجلس النواب المصري، والذي تحمس فيه لدخول مصر حربا رسمية في فلسطين.وفي هذا الخطاب..ہ قال النقراشي: ما كان مجلس الجامعة العربية يجتمع إلا ونطرح للبحث مسألة فلسطين.
وبعد عودتي من عرض قضية مصر علي مجلس الأمن في أمريكا، دعي رؤساء الحكومات العربية للاجتماع في لبنان، ونظرا لأهمية الموضوع لم أتردد في السفر لأشترك مع زملائي من الرؤساء.ولما أثيرت مسألة التدخل العسكري اتخذت الموقف الطبيعي وهو أن مصر في نزاع مع الحكومة البريطانية أولا، وهي لذلك لا يمكن أن تشتبك في حرب !
ـ ويعلق هيكل علي هذا الكلام قائلا: في هذا كان النقراشي في حديثه علي وفاق مع الصورة التي رسمتها الأحداث للموقف.. وأنا أعتقد أن هذا الوفاق مبعثه أن الرجل عاش بنفسه هذه الناحية من صورته.. وكان هو الذي أعطاها اللون، وكان هو الذي كيف الاتجاه.
وقال محمود فهمي النقراشي في فقرة أخري من خطابه للنواب المصريين في الجلسة السرية:ہ لقد كان هناك 400 ألف عربي في المناطق الصهيونية، وكنا نتوقع أن المذابح ستجري فيهم، ولذلك بدأنا نشهد العالم أننا لن نقف مكتوفي الأيدي، إذا جرت هذه المذابح، ولهذا اتفقنا أن نحشد جيوشنا علي الحدود، وبالفعل في تشرين الثاني (نوفمبر) صدرت التعليمات الي بعض قوات الجيش المصري بالمرابطة علي الحدود.لكن هيكل يعلق علي هذا الكلام قائلا:ـ لم يحدث في تشرين الثاني (نوفمبر) ولا بعد تشرين الثاني (نوفمبر) أن صدرت التعليمات الي قوات من الجيش المصري بالمرابطة علي الحدود.. لقد أنشئ هناك معسكر تدريب أرسلت إليه بعض كتائب الجيش.
ولكن هذه الكتائب رابطت علي الحدود، ولم يخطر بخيال قائد معسكر التدريب هناك اللواء أحمد المواوي أن له أدني صلة بحوادث فلسطين، بل ان الرجل سأل صراحة ان كانت هناك علاقة بين معسكره وبين الحوادث، فيقول له بصراحة أيضا:ہ لا.. أن مهمتك هي التدريب!ومع ذلك.. فان الظروف لم تمكنه من القيام حتي بهذه المهمة!ہہہوحين كان هيكل يعلق علي خطاب النقراشي في مجلس النواب المصري، كان بالفعل يقول شهادته للتاريخ.وكان يكشف بالفعل سر ما حدث فجأة، وجعل مصر الدولة تغير موقفها بين عشية وضحاها.. وبعد أن كانت ضد الحرب الرسمية.. دخلت فجأة وبدون استعداد.. حرب فلسطين.
كان النقراشي قد قال أيضا في خطابه في الجلسة السرية:ہ كنا نعلم أيضا أن جيش شرق الأردن يستمد من بريطانيا مساعدته علي حفظ الأمن. ورأينا في هذا ضمانا لتخفيف ضغط الصهيونيين علي العرب، وسألنا رئيس وزراء شرق الأردن عما إذا كان جيشه يتصرف بحرية في مثل هذه الأمور؟ فأجاب بالإيجاب.
ـ وقال: وان كان غلوب باشا رئيس الجيش بريطاني الجنسية.. لكنه موظف أردني!لكنه قال أن الحكومة البريطانية تمد شرق الأردن بمعونة مالية تتراوح بين ثلاثة ملايين من الجنيهات وثلاثة ملايين ونصف. فقلنا أنه في حالة امتناع الحكومة البريطانية. يجب علي الدول العربية سداد هذه النفقات.ولا يترك هيكل هذه الفقرة من خطاب النقراشي دون تعليق فيقول: ـ ان التجارب أثبتت الاتجاه الذي يمكن أن يتجه إليه ولاء غلوب باشا البريطاني الجنسية، الأردني الوظيفة.. أما قصة دفع الإعانة للملك عبد الله إذا توقفت بريطانيا عن دفعها فاني لا أعتقد أن هذه الإعانة وصلت الي الملك عبد الله أبدا.
وأنا أذكر ذات يوم في مدينة الزرقا الواقعة علي بعد عشرين كيلومترا الي الشمال من عمان. وكان فيها مقر القيادة الاستشارية المصرية للملك عبد الله، أنني التقيت في مقر هذه القيادة بالأستاذ عبد الرحمن عزام أمين الجامعة العربية.ہ وقال لي عزام: لقد كنت أريد منك أن تجامل الملك عبد الله فيما تكتبه الي أقصي حد. ان من السهل أن نكسب هذا الرجل الي حد بعيد. ان لديه جيشا قويا، ولا شيء يربطه بالإنكليز إلا الإعانة التي يدفعونها له ومصر بلد غني، والإعانة لا تزيد علي ثلاثة ملايين من الجنيهات، ليست عبئا تنوء به. ولنفرض أن هذا المبلغ تدفعه مصر اليه إيجارا للجيش.. خذوا الأمر حتي علي هذا النحو تجدوا أن استرضاء الرجل صفقة رابحة لمصر مهما كانت الأحوال.وأذكر أنني مسست الموضوع مسا رفيقا مع الملك عبدالله ذات مساء بعد العشاء علي مائدته في قصر الزعفران ووجدت أن الملك وأنا أشهد أنه لم يكن يخفي سرا.. لم يبد عليه ساعتها أنه يعرف عن هذه الفكرة كثيرا أو قليلا!
مرة أخري الي خطاب النقراشي..قال رئيس وزراء مصر في الجلسة السرية لمجلس النواب المصري:وانعقدت جلسات أخري لجامعة الدول العربية واتفقنا علي ما يجب أن تعمله كل دولة في هذه الظروف. وتذكرون حضرات النواب أنكم وافقتم علي صرف 420 ألف جنيه مرة، ثم وافقتم علي صرف 420 ألف جنيه أخري، وكنا قد اعتمدنا للقضية مليون جنيه، ثم مليونا أخري وكانت حصة مصر بنسبة حصتها في نفقات الجامعة العربية وهي 42%.وكان ما قامت به مصر من المساعدات الأخري وأخطر من هذه المبالغ، وقد وضعنا كل موارد مصر تحت تصرفهم، وأقول أكثر من ذلك أن السلاح الذي ورد كان عن طريق مصر.لكن هيكل لا يترك هذه الفقرة أيضا من خطاب النقراشي الخطير دون تعليق فيقول:
ـ أما المبالغ التي صرفت.. فبودي لو أعرف أين ذهبت؟ الذي لا شك فيه أن مصر دعت ولكن الي أين ذهب المال الذي دفعته مصر؟أما السلاح الذي وردته مصر، فاني أعرف الي أين ذهب!أما الملحق العسكري لمصر في القدس وقتها، وهو البكباشي عصام المصري مندوب مصر الآن في لجنة مقاطعة إسرائيل، فقد تلقي أكثر من شكوي وهو في القدس من الأسلحة التي أرسلت من مصر!
وطلب عصام المصري وقتها أن يري بنفسه هذه الأسلحة، وما كاد يراها حتي قال بفجيعة: ليست هذه هي الأسلحة التي أرسلناها إليكم!وظهر أن معظم هذه الأسلحة قد استبدل في الطريق، وذهبت البنادق القوية التي أرسلتها مصر، لتظهر في السوق السوداء في الطريق، ووضعت بدلا منها بنادق هزيلة مريضة.. ينطلق منها سعال مبحوح!ہ
وقال النقراشي في خطابه: ولقد قام أهالي فلسطين بمقاومة نبيلة باسلة، وكان لهذه المقاومة الفضل كل الفضل أنها لفتت الأنظار الي أن العرب كانوا جادين، عندما قالوا أنهم لا يوافقون علي التقسيم، وقد بذلوا كل أرواحهم وحياتهم لمقاومة هذا الضغط الصهيوني.وكانت المقاومة مستمرة وناجحة ونبيلة..فقد كالوا للصهيونيين الصاع صاعين..ولفتوا أنظار العالم..ولفتوا نظر الحكومة الأمريكية..ومما لا شك فيه أن هذه المقاومة كان لها الأثر الأكبر في تعديل موقف الحكومة الأمريكية من التقسيم.
وقد حضر اليّ أمريكي ذو شأن، وقال لي أنه كلف برسالة شخصية من الرئيس الأمريكي ترومان الي الملك عبد العزيز بن سعود، وأفضي لي بفحوي الرسالة، وكان مؤداها أن الحكومة الأمريكية لا تقف الآن مؤيدة للتقسيم، وكذلك قابلني سفير أمريكا في العراق، وكان في هيئة الأمم وأفضي لي بهذا المعني، وهو أن الحكومة الأمريكية خففت من تأييدها للتقسيم.
ورأيتم حضرات النواب بعد ذلك مندوب أمريكا يعلن في مجلس الأمن، أن الحكومة الأمريكية تخلت عن التقسيم، وأنها تنظر في موقف آخر، وكان الفضل الأكبر في المقاومة الباسلة التي قام بها العرب دفاعا عن بلادهم.وهنا يعترض هيكل بشدة علي كلام النقراشي!فهو قد سافر بنفسه الي فلسطين.. وشاهد بعينيه تفاصيل ووقائع ما حدث.. ولهذا اعترض علي كلام النقراشي قائلا:
ـ آسف علي أن هذه المقاومة الباسلة لم تكن في فلسطين نفسها، بنفس الحرارة التي بدت بها علي صفحات الجرائد في العواصم العربية.. لقد كانت هناك مقاومة.. هذا صحيح!ولكن هذه المقاومة لم تصل أبدا الي مرحلة المجهود المنظم.ولم يكن لهذه المقاومة مع الأسف أثر في موقف أمريكا، ولم تتخل أمريكا ولم يتخل ترومان بالذات عن تأييد التقسيم، والدليل أنه اعترف بقيام إسرائيل قبل أن ينتهي الانتداب البريطاني علي فلسطين ببضع ساعات!
أما أن أمريكا خففت في وقت من الأوقات من غلوائها في تأييد التقسيم، فقد كان لذلك سبب واحد، هو أبعد ما يكون للأسف عن تأثير المقاومة العربية في فلسطين.وكان السبب.. هو شركات البترول الأمريكية!لقد تألقت شركات البترول الأمريكية، وهي في الشرق الأوسط تمثل 17% من مجموع الاستثمارات الأمريكية خارج الولايات الأمريكية المتحدة.
كانت مصالحها في خطر إذا فرض التقسيم بالقوة، وجاء وقت اضطر فيه الرئيس الأمريكي لأن يصغي لطلبات هذه الشركات صاحبة النفوذ القوي، والدليل علي ذلك أن رسالة الرئيس الأمريكي ترومان لم تكن لأي واحد من رؤساء الدول العربية.إلا للملك عبد العزيز آل سعود..وبالذات فقط!
كل ما جاء.. في الجلسة السرية!في هذا الجزء من يومياته عن حرب فلسطين، واصل الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل الاعتماد علي تحليل وثيقة خطيرة تكشف أسرار دخول مصر هذه الحرب فجأة بلا استعدادات كافية. الوثيقة كانت عبارة من مضبطة جلسة سرية لمجلس النواب المصري، هذه الجلسة التي غير فيها رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي فجأة موقفه من الحرب من أقصي اليمين الي أقصي اليسار وبعد أن كان ضد دخول مصر حربا رسمية في فلسطين بحجة عدم تعريض الجيش المصري لأي خطر الي مدافع عن هذه الحرب وأخذ في خطابه للنواب المصريين يحاول إقناعهم بها!
في هذا الخطاب قال محمود فهمي النقراشي للنواب: لقد شدد الصهيونيون الضغط علي العرب، وفي ذلك الوقت كانت الجمعية العمومية للأمم المتحدة وكذلك مجلس الأمن مجتمعين، وليس من قبيل المصادفة أن الصهيونيين شددوا الضغط علي العرب ظنا منهم أن ذلك يرجح كفتهم.ودعيت اللجنة السياسية بالجامعة العربية للاجتماع..وأثناء اجتماع اللجنة السياسية طلبني خشبة باشا وزير الخارجية لكي أحضر الاجتماع، ودخلت فوجدت الوجوم يخيم عليهم، وقالوا أن جيش التحرير غزا مستعمرة مشمار هيمك .
الهاغاناه أرسلت قوات كبيرة أحاطت بالمجاهدين العرب وأن الملك عبدالله أرسل برقية الي القاهرة يقول فيها أنه قد جاءته أنباء بطلب النجدة. ولم يتردد أمين الجامعة العربية فورا يبلغه رجاء أعضاء الجامعة بأن يبادر الي نجدة هؤلاء المحاصرين.ولما اجتمعنا أصدرنا قرارا بهذا المعني، وقد تمكن المجاهدون العرب من أن يوقعوا باليهود وينتصروا عليهم. وقد رويت كل هذا لأثبت أن الرغبة بين الدول العربية في التعاون كاملة.لا خلاف علي العمل..لا علي ما يعقب العمل!ما وراء خطاب النقراشيلكن هيكل يستمر في كشف حقيقة ما وراء خطاب النقراشي ويقارن بين الكلمات والواقع..فيعقب علي هذا الجزء من خطاب النقراشي قائلا:
- لقد عشت كل ظروف معركة مشمار هيميك .. وكان للكارثة سبب واحد، هو حماقة قواد التحرير العرب الذين أشرفوا علي إدارة المعركة، ولقد كان من قبيل الخطب الإنشائية أيضا أن يبعث أمين الجامعة العربية إليه يرجوه باسم أعضاء الجامعة أن يغيث وينجد !فقد كان الإنكليز بقوة الانتداب وقتها يمنعون دخول أية جيوش غريبة الي أرض فلسطين، والذي حدث في هذه المعركة لم يكن إيقاعا باليهود ونصرا عليهم بعد النجدة الموهومة.وانما كانت النتيجة كارثة!ولقد أفلتت بقايا من جيوش التحرير العربية من هذه المعركة، ولقد رأيت هذه البقايا، وقد رأيت ذلك بعيني.
هذه البقايا أفلتت تحت حماية الجيش البريطاني الذي كان قد اتخذ له سياسة أن يمنع دخول قوات غربية الي أرض فلسطين، وأن يتدخل إذا طلب منه أحد الفريقين، يهود فلسطين، أو عرب فلسطين النجدة بصفته القوة المكلفة بصيانة الأمن حتي انتهاء الانتداب!
أما الرغبة في التعاون بين الدول العربية فلم تكن حقيقتها سرا خافيا علي أحد! وأنا أذكر أن الملك عبدالله أطلعني علي مجموعة من البرقيات تلقاها في هذه الفترة بالذات من شكري القوتلي رئيس جمهورية سورية في ذلك الوقت.
وكانت البرقيات بين الملك العربي ورئيس الجمهورية العربي تكاد تصل الي درجة الشتم وتبادل السباب!وأذكر أنني سمعت في ذلك الوقت من الملك عبدالله الآراء التالية في عدد من رؤساء الدول العرب:كلب!خائن!لص!ولن أقول من هو الكلب، ولا من هو الخائن، ولا من هو اللص!والذي أستطيع أن أقسم عليه أن الثلاثة كانوا من رؤساء الدول والوزارات علي الأقل!أما أنه لا خلاف علي العمل ـ كما قال النقراشي ـ ولا علي ما يعقب العمل فان الحوادث السياحية التي سفك فيها دم فلسطين ووجودها تقول:
- كان هناك مليون خلاف وخلاف علي ما يعقب العمل!وفي خطابه في الجلسة السرية قال النقراشي أيضا:اشتد ضغط الصهيونيين، وكانت الحكومة البريطانية تعلن بصراحة للدول المختلفة أنها المسؤولة عن فلسطين حتي 15 ايار (مايو)، وأنها لن تسمح لأية جيوش بالتدخل في فلسطين.
ولقد قابلني سفير أمريكا وقال لي أن الوضع في فلسطين يتدهور من سيء الي أسوأ، بل ان الأمر يكاد يكون حربا سافرة، وأن أمريكا التي طالما وعدت بتقديم مساعدات للحكومة المصرية، تصرح لك بأنه لا يمكن أن تقوم بتقديم مثل هذه المعونة إلا إذا تمت الموافقة علي مشروع الوصاية، أو قدم مشروع آخر بديلا للوصاية.ولقد أنصت للسفير الأمريكي إنصاتا كبيرا..وقلت له:
- انك تحمل رسالة في غاية الخطورة!وأعدت عليه الكلام الذي قاله..وقلت له: اني اتفق معك في أن الموقف يتحول من سيء الي أسوأ، ولكن هذا ليس بسببنا. فطالما حذرناكم ونبهناكم ولا أظن أنكم تريدون إفساح الطريق للهاغاناه.. وعلي أي حال لا يمكن أن نقف مكتوفي الأيدي، بينما العرب يذبحون.ـ قال لي السفير الأمريكي:
- لا تأخذ الذي قلته لك علي أنه تهديد.. انه ليس كذلك!وهنا يعلق هيكل في يومياته علي هذا الكلام قائلا:هذه الرسالة التي قام بإبلاغها السفير الأمريكي لرئيس وزراء مصر كانت تكفي وحدها لتدل علي الاتجاه الذي كان يسود واشنطن عما يجب أن يكون عليه المستقبل في فلسطين !ہہہ
وقال محمود فهمي النقراشي في خطابه:وكنت حريصا في معالجة هذا الموقف علي أن لا نتصرف تصرفا يعاب علينا من الناحية الدولية. وكانت تصرفات البلاد العربية كلها سليمة. وكنت أنا بصفة خاصة حريصا علي ألا تتعارض تصرفاتنا مع المركز الدولي لمصر .ولكن المذابح كانت تنتشر!وجاءتني رسالة البارحة من المتطوعين المصريين بأن الصهيونيين دخلوا في بلدة دير دراز . وفتكوا بأهلها كما فتكوا بأهل دير ياسين، وأعطينا أكثر من الأسلحة وأكثر من المال، ومصر فيها دائما شباب يتقدم لأداء الواجب. وفي معسكر هايكستيب الآن بعيدا عن ضوضاء المدن. طائفة من الشباب المثقف يتدربون نظاميا. وكذلك بعض الضباط المصريين استقالوا وتطوعوا.الوقت يقترب الي 15 ايار (مايو)..
وبناء عليه كان واجبنا أن أنبه حضراتكم الي خطورة الموقف. فطلبت اعتماد 4 ملايين جنيه مصاريف استعداد الجيش علي الحدود لمراقبة الحالة. وهذه دفعة عاجلة لتمكين الجيش من أداء واجبه إذا طلب إليه ذلك.وقامت مشكلة اللاجئين..وأقصي ما يصيب به الناس هو إخراجهم من ديارهم، وهذا هو الحاصل الآن في فلسطين، وفتحت اعتمادا بعشرة آلاف جنيه فوجدت أن هذا قطرة في بحر. ودبرنا سيارات وبواخر للذين يريدون العودة.
وجاءتني برقية من القنصل المصري في القدس ينبه فيها الي خطورة الحالة في فلسطين، والي أن الهجرة تحمل خطرين، خطرا علي الصحة العامة، وخطرا علي الأمن من ناحية التجسس.وبلغ عدد اللاجئين 14 ألفا..وكان هناك 16 ألفا آخرين في الطريق!ومصلحة مصر أن يبقي هؤلاء جميعا في ديارهم.ولما اشتد الحال وقامت الشعوب العربية تطالب حكوماتها بالعمل، حضر الوصي العراقي وتحدث مع المسؤولين في لجان الجامعة العربية.وكان رد مصر:أنها لا يمكن أن تتأخر عما تقوم به البلاد العربية، وما ستقوم به هذه البلاد ستقوم به مصر أيضا، ولم يبق إلا يومان..وعصابات الهاغاناه وشترن وأرجون مطلقة السراح في فلسطين، فهل يمكن أن نقف متوانين أو مترددين أو متفرجين؟ لذلك بادرت بعرض الأمر علي حضراتكم لتعلموا أن الحكومة المصرية تراقب الحالة، وهي لا تتردد في إصدار الأوامر الي الجيوش المصرية في الدخول لاعادة السلام الي أرض السلام!وهنا تهب في قاعة مجلس النواب المصري ـ رغم أن الجلسة كانت سرية ـ عاصفة من التصفيق الحاد.
وتلتهب حماسة النواب المصريين لكلمات رئيس الوزراء النقراشي وتتغلب المشاعر.. علي العقول!لهجة حماسيةوبنفس اللهجة الحماسية ينهي محمود فهمي النقراشي خطابه الخطير الذي كان بوابة دخول مصر حربا رسميا في فلسطين فيقول:وإذا دخلت الجيوش للسلام والنظام وأوقفت المذابح، فلن تكون هناك حرب، وليس هناك مخالفة لهيئة الأمم، وانما نعمل علي قتل رأس الحربة التي تمتد من هذه العصابة الصهيونية لنشر الاضطراب والشيوعية في البلاد العربية.يجب علينا ألا نقف مكتوفي الأيدي نتفرج!
ليست هناك دولة يهودية.فان المجلس الأمن لم يقرر هذه الدولة.وأمريكا تخلت عن التقسيم.تسألونني عن قوي البلاد العربية، وعن الجيش المصري، وعن قوي الهاغاناه؟لا نزاع في أن قوة العصابات الصهيونية لا بأس بها، عندهم سلاح، ومعهم عدد كبير من الذين حاربوا، ومواردهم متوافرة، ولديهم المال الكثير، ولهم أنصار في البلاد الأخري.. ولكن قوي الدول العربية المجتمعة الآن كفيلة بحسم الموقف!وهنا أيضا تغلب الانفعالات الحماسية النواب المصريين..وينتهي خطاب محمود فهمي النقراشي بعاصفة من تصفيقهم الحاد الملتهب!ويعود النقراشي في النهاية ليقول:هناك الجيش العربي.. وهو جيش شرق الأردن.. وهو جيش علي درجة عالية من الكفاءة العسكرية، وتسليحه ومعداته وذخيرته وافية.. ما عدا الطيران !
وهنا يرتفع صوت أحد النواب متسائلا:ـ وكم عدد أفراد الجيش العربي؟ہ يرد عليه النقراشي قائلا: اسمحوا لي أن أكون متحفظا في أسرار الجيوش!ويقف نائب آخر يتساءل عما قرأه في الصحف من تصريحات للملك عبدالله ضد الهيئة العربية العليا؟ہ فيجيب النقراشي عليه قائلا: أنا تأسفت له.. وفي جرائد المساء تصريحات لفارس الخوري.. وأظن أنه مدسوس أو مزيف أو محترف.. المهم أنه يلي جيش شرق الأردن جيش العراق الباسلة.ولأن شر البلية ما يضحك كما يقولون..فقد وقف نائب ثالث ليقول: الباسل.. مذكر لا مؤنث!لكن النقراشي لا يهتم بالملاحظة اللغوية..
ـ ويستمر قائلا: وجيش العراق عنده كل المعدات وكذلك الطائرات. أما سورية ولبنان فقد جعلا كل الموارد وقفا علي القضية الفلسطينية، وإنقاذ فلسطين، والملك ابن سعود أرسل أسلحة ودفع نصيبه بالدولارات.. واليمن كانت معتزمة أن ترسل فريقا من رجالها علي سبيل الرمز، ولكن حوادثها الأخيرة منعتها.. أما الجيش المصري فان كفايته كاملة، وأسلحته وافية، وذخيرته متوافرة.. والذي يقدم علي مثل هذا الأمر يتخذ له عدته!وينتهي النقراشي من خطابه..وسط موجة ثالثة من تصنيف النواب المصريين... وهكذا تقرر أن تدخل مصر بصورة رسمية.. حرب فلسطين!ہہہ

في نهاية هذا الجزء من يومياته
يقول هيكل

ان الفارق الهائل بين هذه الصورة التي رسمها النقراشي في الجلسة السرية لمجلس النواب، وبين الصورة الحقيقية للموقف كما رسمتها الأحداث، وكما برهنت عليها التجارب العملية.. لا يحتاج الي رد.
!ثم يتساءل هيكل
كيف رسمت هذه الصورة للموقف في خيال رئيس وزراء مصر؟
ومن هم الأشخاص الذين رسموا له هذه الصورة؟
وما هي العقول التي تضافرت علي أن تضع هذه التفاصيل في رأسه؟
وترغمه علي أن يتناقض مع نفسه؟ہ
يجيب هيكل علي هذه الأسئلة التي طرحها قائلا:
أن الطريقة التي رسمتها الصورة
والأشخاص الذين رسموها
والقوي التي تضافرت علي صنعها
كلها جميعا
الكبير.. وراء حرب فلسطين.

ليست هناك تعليقات: