آخر المقالات

السبت، 25 أغسطس، 2007

فصول من كتاب حرب فلسطين: مذكرات جمال عبد الناصر ويوميات محمد حسنين هيكل -6




فصول من كتاب حرب فلسطين: مذكرات جمال عبد الناصر ويوميات محمد حسنين هيكل (6) ناصر: لم أكن في مأساة فلسطين علي مقاعد المتفرجين! ولم تكن طبول الحرب هناك بعيدة عن اذني وانا في الكلية الحربيةمبالغات في تقدير قوة الإسرائيليين وأساطير عن أبراج كهربائية طائرة. وشكوك كثيرة حول عجز القيادة السياسية


منقول من القدس العربي
24/08/2007


محمود صلاحہ


سوف تظل حرب فلسطين أحد أهم الفصول في كتاب تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي ـ مهما مضت سنوات الزمان.هذه الحرب التي كانت لها مقدماتها وأحداثها وتداعياتها. أما المقدمات فقد كانت انعكاسا لحال مصر السياسية أيامها. وحال الأمة العربية أيضا.
وأما تداعياتها فأغلب الظن أنها باقية حتي اليوم.وتبقي أحداث حرب فلسطين 1948 برغم السنوات التي انقضت عليها. مثل كرة بللورية مليئة بالانعكاسات والأشكال المختلفة. تختلف رؤيتها باختلاف الراوي والسامع.ومهما كتب عن حرب فلسطين ومهما اجتهد المؤرخون وأصحاب الآراء والتحليلات. تظل شهادات الأبطال هي الأقوي والأوضح تأثيرا.
وهذه شهادة اثنين من أبطال هذه الحرب..الأول.. ضابط مقاتل عاشها وواجه الموت بالرصاص فيها. ووسط ظلام خنادقها ورائحة البارود والموت عرفه العدو الحقيقي. واكتشف طريق النور لنفسه ولشعبه.الثاني.. كاتب صحافي نادر. حمل قلمه الي ارض المعركة. وارتدي الملابس العسكرية لأول مرة في حياته. وسجل بأمانة لبني قومه تفاصيل هذه الحرب وما سبقها وما حدث فيها.وعلي السطور القادمة تفاصيل شهادة الاثنين.

.أسئلة هيكل للحاج أمينہ

يسأل هيكل مفتي فلسطين السؤال السابع والأخير: هل تري قيام تحقيق سياسي وعسكري في نتيجة حرب فلسطين؟.. ومن الذي يجب أن يقوم بمثل هذا التحقيق؟ وما هي النقاط التي يجب أن يشتمل عليها؟ـ يرد الحاج أمين الحسيني: ان قيام تحقيق سياسي وعسكري في نتيجة معركة فلسطين أمر ضروري جدا.
ولقد سبق لي أن طلبت من جامعة الدول العربية في مذكرة مؤرخة في 5 نيسان (أبريل) 1950 إجراء مثل هذا التحقيق وتحديد المسؤولية، وما زال الفلسطينيون يطالبون بإجراء هذا التحقيق.
والواقع أنه ما من أمة حية ذات كرامة إلا وتجري تحقيقا في كل نكبة تصيبها أو حيف يلحق بها، وان من واجب الأمة العربية إجراء تحقيق في سبب نكبة فلسطين، وعلي أن تقوم به لجنة مؤلفة من عسكريين وقانونيين من المشهود لهم بالنزاهة والكفاية من رجال العرب. أما نقاط البحث والتحقيق فهي كثيرة..وهذا بعض ما يرد علي الخاطر .

ـ1 .البحث عن الأسباب التي حملت علي تبديل الخطة التي وضعها الخبراء العسكريون للدفاع عن فلسطين ووافق عليها مجلس جامعة الدول العربية المنعقد في عاليه في تشرين الاول (أكتوبر) 1947.

ـ 2لماذا أقصي الفلسطينيون ومجاهدوهم الذين أثبتوا جدارتهم واستبسالهم في الذود علي بلادهم وصمودهم أمام اليهود والإنكليز طيلة ثلاثين عاما؟ وما هي أسباب منعهم من القيام بحرب العصابات التي برعوا فيها، والتي تجلت فوائدها العظيمة؟
ولماذا منعت الأسلحة عن قادة المجاهدين، أمثال المرحوم عبد القادر الحسيني في معركة القسطل وغيرها، وحسن سلامة في منطقة يافا واللد والرملة، وإبراهيم أبو وية في منطقة القدس وغيرهم؟وكيف يعقل أن يقوم دفاع عن بلاد.. لا يشترك أهلها فيه؟ولماذا جردوا المجاهدين الفلسطينيين من أسلحتهم وصادروا مخازن ذخائرهم في بعض الأقطار العربية، وفي داخل فلسطين؟ ولمصلحة من كانت هذه الإجراءات الغريبة؟

ـ3 ولماذا سلمت قيادة الجيوش العربية الي يد الجنرال غلوب الإنكليزي وجعلته يقلب الخطة الحربية التي وضعها رؤساء أركان حرب الجيوش العربية في الزرقا شرق الأردن في أوائل شهر ايار (مايو) سنة 1948 رأسا علي عقب؟ وكلف غلوب الجيش العراقي أن يهاجم بمدافعه خط أيدن المنيع أمام مستعمرة جيشر ليعود بالخيبة!وينقل الجيش السوري من منطقة جبيل في اتجاهه نحو صفد في وضح النهار وأمام بصر اليهود الي سمع ويعرضه للهزيمة .
ـ4 لماذا منع الجيش العراقي الذي كان في أشد حالات الحماسة والاستعداد من التقدم نحو أهدافه، ولم يسمح له بالقيام بأية معركة؟ ولما هاجمت القوات مدينة جنين في حزيران (يونيو) 1948 وكان فيها فوج عراقي واحد اشترك مع مجاهدي المنطقة في صد اليهود وهزمهم شر هزيمة وتبع فلولهم الي اللجون وأوقع الرعب يومئذ في يهود حيفا التي ظلت بلا دفاع بعد هذه المعركة، فأرسل رئيس بلديتها اليهودي شبتاي ليفر كلا من نائبي رئيس البلدية الحاج طاهر فرمان وشمادة شلح بكتاب لتسليم حيفا الي الجيش العراقي.
ولكن القيادة العامة أمرت بعودة الفوج العراقي وقائده الباسل.. الذي سحبته من المنطقة.. ووجهت له أشد اللوم وعاقبته علي خوض المعركة؟!
ـ 5 .لماذا أخليت الرملة واللد وسحب منهما الجيش الأردني بأمر غلوب بدون مبرر؟لقد كان ذلك سببا في تشريد نحو مئة وخمسين ألفا من العرب!
ـ 6 . ما الأسباب التي حالت دون نجدة بعض الجيوش العربية للجيش المصري في معارك النقب وغيرها في شهري تشرين الاول (نوفمبر) وكانون الاول (ديسمبر) سنة 1948؟ما هي الأسباب التي حالت دون تنفيذ الخطة التي اتفق عليها رؤساء أركان حرب الجيوش العربية في اجتماعهم في القاهرة لإنقاذ حامية الفالوجا وفك الحصار .
ـ 7 . ما هي الأسباب التي حالت دون تنفيذ الخطة التي اتفق عليها رؤساء أركان حرب الجيوش العربية في اجتماعاتهم في القاهرة لإنقاذ حامية الفالوجا وفك الحصار عنها؟وكيف منع الجنرال غلوب القوات المقرر إرسالها من كل الجيش السوري والجيش العراقي لهذه المهمة من المرور بأراضي شرق الأردن؟
ـ8 . لماذا أمر الجنرال غلوب في 17 و18 ايار (مايو) 1948 بإخراج المجاهدين الفلسطينيين من مضيق باب الواد وبإعادة فتحه لتمر منه قوافل السيارات اليهودية حاملة السلاح والمؤن والمدد، من تل أبيب الي القسم اليهودي من مدينة القدس الذي كان يحاصره المجاهدون الفلسطينيون وكادوا يحملون سكانه البالغ عددهم أكثر من مئة ألف يهودي علي الاستسلام؟
ـ 9 . لماذا منع الجنرال غلوب الجيش الأردني وقوات الجهاد المقدس وغيرها من تحرير القدس كلها؟وقد كان ذلك في الاستطاعة حينئذ!ولماذا منع احتلال عمارات هداسا والجامعة العبرية وتركها مراكز تهديد وخطر دائم علي القدس .
ـ 10 . ما هي الأسباب التي أدت الي عقد الهدنة الأولي والثانية، في الوقت الذي كانت الجيوش العربية فيه تسيطر كل السيطرة ومتفوقة في عددها وأسلحتها وطائراتها .
ـ11 . لماذا سلمت لليهود مناطق عربية واسعة في كل من المثلث العربي وأراضي القدس وبيت لحم والخليل والبحر الميت بما تحتوي عليه من سكك حديدية وطرق مهمة بعد اتفاقية رودس وبدون حرب أو
ـ 12 . كيف.. ولماذا استولي اليهود علي حيفا ويافا وعكا وصفد والناصرة والقدس الجديدة وغيرها من المدن والمناطق التي يغلب فيها عنصر العرب، في الوقت الذي كان الاحتفاظ بها ميسورا؟
رحلة قطار الحرب.. بقلم جمال عبد الناصر
انتهت حرب فلسطين بالكارثة الي انتهت إليها عام 1948.وكشفت هذه الحرب حال الأمة العربية المتردي. وتدهور أوضاعها السياسية والعسكرية والاجتماعية.
ثم كانت ثورة 23 يوليو 1952..وكان قائد هذه الثورة الحقيقي جمال عبد الناصر ضابط الجيش المصري الذي خاض هذه الحرب وأصيب فيها وروت دماؤه أرض فلسطين. كما روتها دماء ضباط مصريين ومجاهدين عرب.
.واستوعب جمال عبد الناصر دروس حرب فلسطين..كان يحارب هناك وقلبه يتمزق علي ما يحدث في وطنه.وأطاحت ثورة بالملكية في مصر.
وبدأ عهد جديد للشعب المصري. وذات يوم دخل جمال عبد الناصر السينما. وكانت السينما تعرض فيلما بوليسيا مثيرا، يدور حول رجلين، الأول رجل طيب والثاني رجل شرير ويرتكب الرجل الشرير جريمة قتل لكنه يرتب الشواهد والأدلة ويلفقها لتدور الشبهات حول الرجل الطيب ويحاصره الاتهام!
ويجد الرجل الطيب نفسه في أصعب موقف!انه بريء لكن الأدلة والشواهد الملفقة كلها ضده. حتي أقرب الناس إليه لا يصدقون براءته. فيهتز وينهار. ويكاد يعترف بالجريمة التي لم يرتكبها!ويخرج جمال عبد الناصر من السينما متأثرا بقصة الفيلم..وتذكره القصة بما حدث في فلسطين.
وبأن البعض اتهم الجيش المصري بارتكاب جريمة الهزيمة هناك!لكن عبد الناصر الذي خاض حرب فلسطين بكل قطرة من دمه، وحصل فيها علي أرقي وسام عسكري مصري لشجاعته وبسالته، كان متأكدا أن الجيش المصري بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب من هذه الجريمة!وكانت قصة الفيلم.. هي السبب!السبب الذي جعل جمال عبد الناصر يكتب مذكراته التاريخية عن حرب فلسطين.
ناصر: لم اكن متفرجا
في بداية مذكراته عن حرب فلسطين قال جمال عبد الناصر:لم أكن في مأساة فلسطين أجلس علي مقاعد المتفرجين!كما كنت أجلس في تلك القصة المثيرة التي شاهدتها في إحدي دور السينما بالقاهرة منذ بضعة أسابيع!كنت أيامها علي المسرح..مع غيري من الآلاف من الضباط والجنود الذين زيفت عليهم هزيمة لم يرتكبوها!
وأنا أذكر اليوم كيف بدأ دوري في المأساة..كنا في شهر نيسان (أبريل) سنة 1948.وكان تنظيم الضباط الأحرار قابعا منكمشا علي نفسه، فقد كانت كلاب الصيد تتحسس آثارنا من كل اتجاه.كانت هناك محاولة في الجيش لم يكتب لها النجاح.وكانت عيون البوليس السياسي متجهة الي الجيش.وكان الوقت بالنسبة لنا غير صالح علي الإطلاق.وكانت اجتماعاتنا قليلة، فلم نكن نريد أن نلفت إلينا أنظار أحد.وكنت منهمكا في الاستعداد لانتهاء الدراسة في كلية أركان الحرب.
ولكن هموم الدراسة ومشاغلها لم تستطع في ذلك اليوم أن تصد عن أذني طبول المعركة التي كانت تدق في فلسطين!وكانت الحماسة بالغة وروح القتال علي أشدها، خصوصا بين زملائنا من الضباط الشبان، وكان كثيرون من إخواننا في تنظيم الضباط الأحرار يتسللون إليّ في خفية من عيون الرقابة ليهمس الواحد منهم في أذني بأنه يريد التطوع للقتال في فلسطين!
وكنت في حيرة مع نفسي..كانت هناك عوامل كثيرة تتنازع تفكيري.هل أتطوع أنا الآخر؟أخلع ملابسي الرسمية وأحمل مدفعا صغيرا في يدي وأمضي الي المعركة؟أم أنتظر انتهاء الدراسة في كلية أركان الحرب. وقد قضيت أكثر من عام أستعد لها.
ولم يبق علي الامتحان إلا شهر واحد؟واجتمع فريق من أعضاء اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار في ذلك الوقت في بيتي، واستقر الرأي علي أن يسافر بعضنا الي فلسطين متطوعا ويبقي البعض الآخر في القاهرة.مواعدة علي اللقاء في فلسطين
ويكمل جمال عبد الناصر في مذكراته:
وذات صباح..وجدت نفسي مع عبد الحكيم عامر وزكريا محيي الدين نودع صديقنا وزميلنا في اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار، كمال الدين حسين، وكان في طريقه الي فلسطين مع غيره من الأصدقاء والزملاء، كنا نواعدهم علي اللقاء بعد يوم غير بعيد في الأرض المقدسة التي سوف يسبقوننا إليها.وكنا نؤكد لهم في حماسة ملتهبة أننا سنحاول من القاهرة أن نبذل جهدنا لانجاح معركتهم، وكان آخر شيء قلته لكمال الدين حسين قبل أن يتحرك القطار:ہ
-إذا احتجت شيئا فابعث لي سوف ألاحق أية طلبات لكم في الجيش ولن نترك الروتين العادي والتواكل والتهاون تعوق طريقكم!وتحرك القطار..وقلوبنا تعتز من فرط الانفعال..ولم أعد يومها الي بيتي!وانما طرقت باب إحدي الصحف اليومية وطلبت من رئيس تحريرها أن يسمح لي بأن أكتب له وصف سفر القطار المتجه الي فلسطين!وجلست وقلبي ما زال يهتز من فرط الانفعال!
وكتبت ما حدث في محطة القاهرة..وظللت ساهرا في دار الصحيفة انتظر أن تدور عجلات المطبعة بما كتبته!وبدأت أيام شهر ايار (مايو) ونحن ما نزال في القاهرة..لكن أعصابنا كانت تحيا في فلسطين!كنا نعيش في دوامة من الأفكار والمشاعر..وذات يوم قيل لنا أن دفعتنا من كلية أركان الحرب، سوف تتخرج قبل الوقت المحدد، فان احتمالات فلسطين تقضي بهذا. وكان احتفال التخرج بسيطا، هرعنا بعده لنعرف أين ينتهي بنا المطاف.وصدرت لي الأوامر بأن ألتحق بالكتيبة السادسة.وصدرت الأوامر لعبد الحكيم عامر لكي يلتحق بالكتيبة التاسعة.
وصدرت الأوامر الي زكريا محيي الدين لكي يلتحق بالكتيبة الأولي.وكانت الكتائب الثلاث يومها علي الحدود..ولم يكن هناك من يعرف علي وجه اليقين، ما الذي ستأتي به الأيام المقبلة!وكنا نحن الثلاثة ـ علي أي حال ـ نتعجل الزمان، لكي نستطيع أن نلحق بكتائبنا علي الحدود، وكانت الأوامر الصادرة لنا بأن نغادر القاهرة يوم 16 ايار (مايو) 1948.ولكن حماستنا لم تكن تطيق الانتظار..
فقد كانت الصحف تطالعنا كل صباح بفيض من الأنباء عما يجري في فلسطين، وفي نفس الوقت كانت هناك تخمينات كثيرة وظنون متضاربة عن الموقف الرسمي الذي تتخذه الحكومة المصرية في ذلك الوقت.
ولم يبد من سياق ما كنا نقرؤه في الصحف شيء واضح علي وجه التحديد، ولكن احتمال دخول حرب فلسطين كان قد بدأ يظهر وكان الشعور في كل مكان حولنا فياضا دافقا.وغادرت بيتي صباح 16 ايار (مايو) أحمل حقيبة الميدان، بعد أن تركت علي إحدي الموائد صحيفة الصباح، وكانت صفحتها الأولي مليئة بالبلاغ الرسمي الأول الذي صدر عن وزارة الدفاع في ذلك الوقت يروي للناس بداية العمليات الحربية في فلسطين.وبأحاسيس صادقة ومشاعر عميقة.
يروي جمال عبد الناصر هذه اللحظات التاريخية في حياته فيقول:
وتملكني شعور غريب وأنا أقفز درجات السلم، وإذن فأنا في الطريق الي ميدان القتال، واتجهت بي السيارة الي بيت عبد الحكيم عامر، فقد كان مقررا أن أمر عليه وعلي زكريا محيي الدين لكي نسافر معا .وتركت فكرة ميدان القتال تستولي علي أفكاري كلها..
فقد كنت أريد أن أتجه الي الذي ينتظرني، وأنسي تماما كل ما تركته وراء ظهري، وأنسي بينه عاصفة من الدموع، رأيتها تتجمع قبل أن أخرج من بيتي، وتنتظر أن أبدأ هبوط السلم لكي يبدأ تساقطها!
وكان القطار الذي غادر القاهرة متجها الي الحدود، حيث جبهة القتال، نموذجا رائعا لأمثاله أيام الحروب!الضباط والجنود في كل ركن من القطار..ربطات الميدان تسد الممرات..قطع السلاح والخوذات المتناثرة تضفي علي الجو لمسات أخيرة معبرة.وكانت الحماسة تطبع كل حركة وكل كلمة..
وكل نظرة في عيني!وكانت هناك أحاديث عن المجهول الذي ينتظرنا، والذي كنا نريد أن نقذف أرواحنا وأجسادنا في أقداره المخبوءة، وكان هناك في بعض الأحيان أحاديث عن الزملاء الذين سبقونا الي الميدان، والذين تركناهم وراءنا في القاهرة!في القطار لفلسطينويمضي جمال عبد الناصر في وصف رحلة القطار الحربي المتجه الي فلسطين قائلا:
-ولم يكد القطار يتحرك في اتجاه ميدان القتال حتي أصبح الركن الذي جلسنا فيه ـ عبد الحكيم عامر وزكريا وأنا ـ أشبه بغرفة عمليات حربية!وفتحنا خريطة كبيرة بيننا..وبدأنا نناقش الموقف..وبدت أمامنا للوهلة الأولي فجوات كان يمكن أن يتسرب منها الي خطوطنا خطر!
كان الجيش المصري يومها مكونا من تسع كتائب، ولكن ثلاثا منها فقط كانت قرب الحدود حينما صدر الأمر بدخول فلسطين!وكانت هناك كتيبة رابعة في الطريق..وكنا نتساءل والقطار يندفع بنا الي ميدان القتال:لماذا لم يحشد عدد كبير من الكتائب ما دمنا نريد دخول حرب فلسطين؟ولماذا لم يستدع الاحتياطي لكي تكون منه كتائب جديدة ترسل الي الميدان علي عجل؟
ثم لماذا يصف البلاغ الرسمي الأول عمليات فلسطين بأنها مجرد حملة لتأديب العصابات الصهيونية؟ علي أي حال..فان الحماسة لم تلبث أن ملأت الفجوات جميعا وسدت ما بينها!لكن الإحساس بالفجوات المنذرة بالخطر، لم يلبث أن عاد إلينا عندما وصل القطار الي العريش. كان المظهر الخارجي للبلدة الغارقة في ظلام الليل الحالك يتلاقي في خيالنا مع الهيبة التي كنا نتصورها للقاعدة الخلفية لميدان العمليات.
ولكن المتناقضات كانت تصدمنا كلما تعمقنا داخل المظهر الخارجي الي صميم العمل الحربي الذي كان يجب أن تقوم به القاعدة، لم يكن هناك من يهتم بنا أو يرشدنا الي الذي يتعين علينا أن نصنعه، ولم نكن ندري أين مواقع وحداتنا بالضبط حتي نستطيع أن نلحق بها، ولم نجد أحدا يستطيع أن يرشدنا الي هذه المواقع!
وذهبنا الي رياسة المنطقة..ضابط يبحث عن عشاءوكنا نتصورها خلية نحل تئن بالحركة الدائبة، ولكن رياسة المنطقة لم يكن بها أحد!كأنها بيت مهجور في بقعة من الأرض لا يسكنها بشر!وحين عثرنا علي أركان حرب المنطقة.. كان الضابط الشاب يبحث عن عشاء لنفسه!واستضفناه علي ما كان معنا من بقايا طعام!وكانت أصوات ضحكاتنا وأحاديثنا تجلجل في البيت المهجور!
وكانت لأصدائها في نفسي مشاعر غريبة..وجاءتنا الأخبار بعد العشاء بمواقع كتائبنا.. علي وجه التخمين!كانت الكتيبة التاسعة في غزة.وكذلك الكتيبة الأولي.أما الكتيبة السادسة التي كنت سأعمل أركان حرب لها، فقد كانت لا تزال في رفح، وان كانت قد تحركت منها الي عملية ضد مستعمرة الدنجور . ثم عادت إليها مرة أخري!
وركب عبد الحكيم عامر وزكريا محيي الدين سيارة جيب الي غزة.وركبت أنا سيارة أخري الي مواقع كتيبتي في رفح!ہہہوبكل صراحة يصف جمال عبد الناصر الوضع البائس الذي وجد عليه الجيش المصري في فلسطين قائلا:كان الجو في الكتيبة السادسة حين وصلت إليها في حال عجيب!كانت الكتيبة قد فرغت لتوها من العملية العسكرية ضد مستعمرة الدنجور وعادت بعدها الي مراكزها في رفح وتركت الكتيبة وراءها علي أرض المعركة حول الدنجور بعض الضحايا، ولكني أحسست أنه كان من بين الضحايا الذين تركتهم الكتيبة عند الدنجور إيمانها بالحرب التي تخوض غمارها!
وبدأت أسمع التفاصيل..صدرت الأوامر من القاهرة بأن تتحرك الكتيبة الي الدنجور في ليلة 15 ايار (مايو)، ولم يكن هناك وقت لكي تستكشف الكتيبة هدفها الذي سوف تهاجمه، وكذلك لم تكن هناك معلومات قدمت عنه!وكان هناك دليل عربي واحد!وكانت مهمة الدليل قيادة الكتيبة الي موقع مستعمرة الدنجور . ولم يكن هذا الدليل يعلم شيئا عن تحصيناتها ودفاعها، وكل الذي قام به هو أن ظل يرشد الكتيبة الي الطريق، ويدلي لها بمعلومات غير واضحة ولا دقيقة حتي ظهرت أمامها فجأة تحصينات الدنجور !
ولم يسترح الجنود بعد الرحلة الشاقة..وانما اندفعوا نحو الأسلاك!ولم يكن هناك من يعرف ما الذي يجب عمله علي وجه التحديد.ولكن المدافعين عن الدنجور كانوا يعرفون!وأصيبت الكتيبة بخسائر لم تكن متوقعة!
وعند الظهر أصدر القائد أمره بالابتعاد عنها، وعادت الكتيبة الي رفح لتجد بلاغا رسميا أذيع في القاهرة يقول: أنها أتمت عملية تطهير الدنجور بنجاح!ولاحظت بين الذي سمعت من تفاصيل ظاهرتين هامتين.الأولي.. أن هناك نغمة بين الضباط تقول أن الحرب.. حرب سياسية.
وكان لهذه النغمة ما يؤيدها ويتناسق معها من كل ما رأوا حولهم.لم يكن معقولا أن تكون هذه حربا!لا قوات تحتشد. لا استعدادات في الأسلحة والذخائر.لا خطط..لا استكشافات..ولا معلومات!ومع ذلك فهم هنا في ميدان قتال!
إذن.. هي حرب سياسية!هي إذن حرب.. ولا حرب!تقدم بلا نصر..ورجوع بلا هزيمة..هي حرب سياسية فقطوالنغمة الثانية أن أساطير من المبالغات كانت تؤلف حول قوة العدو العسكرية.لقد فوجئت القوات بمقاومة مستعمرة الدنجور، ولم تكن تعرف عنها شيئا وسمعت واحدا من زملائنا يروي كيف أن أبراجا تعمل بالكهرباء كانت تطلع الي سطح الأرض وتطلق النار في كل اتجاه، ثم تهبط تحت الأرض بالكهرباء أيضا!ولم أكن مشتركا في هذا الحديث..ولكني لم أستطع السكوت.
والتفت الي زميلنا أسأله:ہ كيف عرفت أنها تعمل بالكهرباء؟ انك لا تستطيع أن تقطع بهذا، إلا إذا كنت دخلت المستعمرة. وفحصت قواعد هذه الأبراج.. فهل فعلت ذلك؟وسكت زميلنا!
ولكن أساطير الأبراج المتحركة بالكهرباء الضاربة في كل اتجاه لم تسكت!ولم يكن اللوم في رأيي موجها الي هؤلاء الشبان.إنما كان المسؤول عنه نقص المعلومات عن العدونقصا قاتلا مدمرا!الي غزة وقلب مليء بالهمومكانت أول أيام جمال عبد الناصر في حرب فلسطين كافية لكي يحكم بنفسه علي حال الجيش المصري هناك، ويدرك مبكرا أية كارثة تنتظر هذا الجيش في هذه المعارك التاريخية.
فقد اكتشف جمال عبد الناصر الذي سافر في لهفة الي حرب فلسطين في يوم واحد مع عبد الحكيم عامر وزكريا محيي الدين، أن الجيش المصري ذهب الي هذه الحرب بدون استعدادات كافية، وبدون معلومات واضحة عن أهدافه.كما اكتشف مبالغات كبيرة في تقدير قوة الإسرائيليين، وهي مبالغات كان أساسها أيضا عدم وجود معلومات حقيقية لدي الجيش المصري عنهم أو عن قوتهم العسكرية.ويواصل جمال عبد الناصر تسجيل مذكراته بكل أمانة وصدق عن يومياته في حرب فلسطين بعد أيام من وصوله إليها فيقول:
- وبدأت بعدها كأركان حرب للكتيبة السادسة أشعر بالحيرة والعجز اللذين كانا يحكمان قيادتنا العليا أكثر من غيري !كانت مئات من العوامل تتنازعني..ولم أكن أعرف الوسيلة التي أعبر بها عما أحس.
وأعترف أنني سمعت من أحد الجنود تعبيرا واضحا عن حالتنا، قاله الجندي بلغته الساذجة الدارجة، ولم يكن يعرف أنني أسمعه، ولا كان يعرف أن عبارته الساذجة الدارجة، كانت وصفا صادقا لما كنا فيه!جاءت الأوامر الي الكتيبة بأن تهد معسكرها الذي تقيم فيه، وتنقل الي مكان آخر يبعد عنه ثلاثة كيلو مترات..
ولم أكن أستطيع تصور الغرض من هذا التحرك!ولكن الكارثة الكبري أن الذين أصدروا أمرهم، لم يكونوا يعرفون له غرضا هم الآخرون!وكان الدليل أنه بعد ثلاث ساعات من هذا الأمر، وبينما نحن نقيم المعسكر الجديد. جاءتنا أوامر بالتحرك الي المحطة وركوب القطار المتجه الي غزة، وبدأنا نهد الخيام التي لم نكد نفرغ من إقامتها. وجاء أحد الجاويشية الي جندي كان منهمكا في إقامة إحدي الخيام وقال له:
- يا عسكري.. هد الخيمة.ونظر الجندي في دهشة الي الجاويش. ولما علم بأن أوامر جديدة بالتحرك لركوب القطار قد صدرت، بدأ يهد الخيمة التي هدها في الصباح من مكانها، وبدأ عند الظهر يقيمها في مكان جديد، ثم أمر بهدها مرة أخري قبل أن يفرغ من إقامتها
وسمعت الجندي بأذني يقول:
ہ يا خيبتنا.. يا خيبتنا!
قالها منغمة ممدودة.. بلهجة ريفية ساخرة
وأحسست أن الشكوك التي كانت تساورني حول عجز قيادتنا وترددها قد وصلت الي الجنود وأن
هذا هو التعبير البسيط الساذج عنها.
وركبنا القطار الي غزة وفي قلبي هموم.

ليست هناك تعليقات: