آخر المقالات

السبت، 25 أغسطس، 2007

فصول من كتاب حرب فلسطين: مذكرات جمال عبد الناصر ويوميات محمد حسنين هيكل -7


فصول من كتاب حرب فلسطين: مذكرات جمال عبد الناصر ويوميات محمد حسنين هيكل- 7
اشتريت كل ما كان في غزة من الجبن والزيتون. وقلبي مجروح علي الجندي الذي يجلس في جحر يقرض قطعة من الجبن كالفأر!تساءل ناصر : أكنا نسوق جنودنا الي معركة أم كنا ندفع بهم الي مجزرة؟ وصحف القاهرة كانت تتحدث عن معارك وهمية
منقول من القدس العربي
25/08/2007

محمود صلاح
سوف تظل حرب فلسطين أحد أهم الفصول في كتاب تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي ـ مهما مضت سنوات الزمان.هذه الحرب التي كانت لها مقدماتها وأحداثها وتداعياتها. أما المقدمات فقد كانت انعكاسا لحال مصر السياسية أيامها. وحال الأمة العربية أيضا.
وأما تداعياتها فأغلب الظن أنها باقية حتي اليوم.وتبقي أحداث حرب فلسطين 1948 برغم السنوات التي انقضت عليها. مثل كرة بللورية مليئة بالانعكاسات والأشكال المختلفة. تختلف رؤيتها باختلاف الراوي والسامع.ومهما كتب عن حرب فلسطين ومهما اجتهد المؤرخون وأصحاب الآراء والتحليلات. تظل شهادات الأبطال هي الأقوي والأوضح تأثيرا.
وهذه شهادة اثنين من أبطال هذه الحرب..الأول.. ضابط مقاتل عاشها وواجه الموت بالرصاص فيها. ووسط ظلام خنادقها ورائحة البارود والموت عرفه العدو الحقيقي. واكتشف طريق النور لنفسه ولشعبه.الثاني.. كاتب صحافي نادر. حمل قلمه الي ارض المعركة. وارتدي الملابس العسكرية لأول مرة في حياته. وسجل بأمانة لبني قومه تفاصيل هذه الحرب وما سبقها وما حدث فيها.وعلي السطور القادمة تفاصيل شهادة الاثنين.
مع عام في غزة
ويكمل جمال عبد الناصر مذكراته قائلا:
وعلي أي حال فقد كان يخفف من همومي، أنني كنت أعلم أنني سوف ألتقي بعبد الحكيم عامر في غزة. وأنني سوف أتسلم منه مواقعها، فقد كان عليه كأركان حرب للكتيبة السادسة المواقع التي سنحل فيها مكانهم .وكان بيني وبين عبد الحكيم عامر حديث طويل في غزة، ونحن نطوف بالمواقع التي كان عليه أن يسلمها لي.
وكانت مواقع الكتائب الأربع في فلسطين يومها كما يلي:الكتيبة السادسة متحركة من رفح الي غزة.الكتيبة التاسعة تستعد لمغادرة غزة بعد وصول كتيبتنا إليها.الكتيبتان الأولي والثانية متحركتان الي الأمام في اتجاه المجدل علي الطريق الساحلي!
وأذكر أنني صارحت عبد الحكيم عامر بهواجسي..فقد كنت أحس أن هناك عملية بعثرة لقواتنا، فنحن نتقدم علي السهل الساحلي ونترك المستعمرات المحصنة وراء ظهرنا تهدد جناحنا الشرقي وخطوط مواصلتنا!
وتركني عبد الحكيم عامر مع كتيبته المتقدمة الي الأمام والتي كان عليها واجب المعركة في دير سنيد، بعد أن سلمني ألف جنيه كانت في عهدته!وكان عليّ أن أشتري بهذه الألف جنيه، كل ما أستطيع شراءه من جبن وزيتون!
ولم يكن لدي الجنود المتقدمين تعيينات طوارئ يعتمدون عليها في المراكز الأمامية حيث لا تستطيع الوجبات الساخنة أن تصل إليهم!ولم يكلف أحد خاطره أن يفكر في أمر وجبات الطوارئ اللازمة للجنود المحاربين، وكل الذي فعلوه أنهم بعثوا إلينا بألف جنيه.ـ وقالوا لنا: اشتروا جبنة وزيتونا!واشتريت كل ما كان في غزة من الجبن الزيتون، وقلبي مجروح علي الجندي الذي يهاجم المواقع الحصينة بجسده العاري، ثم يجلس وقت الأكل في جحر كجحور الفئران يقرض قطعة من الجبن!
اشترينا كل ما عثرنا عليه من الجبن والزيتون بألف جنيه ألقوها إلينا..وقالوا لنا: تصرفوا!وكان قلبي المجروح يهتف بي في كل دقة من دقاته:ـ هذه.. ليست حربا!
وبدأت وأنا في مكان في غزة ألاحق تطورات معركة دير سنيد التي كانت قد بدأت، ألاحقها دقيقة بدقيقة.فقد كنت أسمع دوي المدافع عن بعد..وكان الجرحي من رجالنا يصلون أفواجا بعد أفواج الي مستشفي غزة، وكانت ليلة 20 ايار (مايو) أتعس ليالي حياتي!قضيت هذه الليلة في مستشفي غزة العسكري، والأسرة كلها حولي مليئة بجرحي معركة دير سنيد التي ما تزال مستعمرة!
كل هذا وراديو القاهرة يذيع بلاغا أصدرته القيادة العامة، تقول فيه أن قواتنا احتلت مستعمرة دير سنيد، واقتحمتها اقتحاما رائعا بالمشاة!وكانت هذه كذبة مؤلمة!فان المستعمرة لم تكن قد احتلت بعد، وان كان الشيء الوحيد الصحيح في البلاغ الرسمي، هو أن المشاة كانت تقوم بعملية اقتحام رائعة!وكانت في أعماقي ثورة علي الذي كان يحدث أمام دير سنيد وتصل لي أخباره..أية معركة هذه؟هذه التي يستهلك فيها جنود المشاة بهذه الطريقة المروعة في هجمات نهارية مكشوفة وأجساد عارية لا تحميها قوات مدرعة أمام تحصينات قوية ومدافع ماكينة متحفزة في أيد معدة مدربة؟
صحيح أن موجات مشاتنا لم تتوقف..كانت موجة منهم تسقط أمام النار فتجيء موجة بعدها غير هيابة ولا خائفة!ولكن أكنا نسوق جنودنا الي معركة.. أم كنا ندفع بهم في غير رحمة الي مجزرة؟ورسم جمال عبد الناصر في مذكراته عن حرب فلسطين المستوي الضحل لقيادة الجيش المصري التي كانت تدير المعركة في تهاون واضح من القاهرة.قال جمال عبد الناصر:كان الموقف في الميدان كله يظهر واضحا لعيني وأنا في مكان في غزة..
لقد انتهت معركة دير سنيد بعد تضحيات غالية بالنصر، برغم كل المصاعب التي كانت تحيط بقواتنا.وبعد المعركة صدرت الأوامر للكتيبة الأولي بالتقدم الي المجدل..وتقدمت الكتيبة التاسعة الي أسدود.ثم صدرت أوامر جديدة للكتيبة الأولي بالاتجاه شرقا واحتلال عراق سويدان و الفالوجة و بيت جبرين .
وكنت أكاد أفقد اتزاني وأنا أتابع هذه التطورات التي كانت صحف القاهر تنشرها قبل أن تتحرك قواتنا طبقا لها في الميدان!ولم أكن أستطيع أن أدرك الهدف من هذه الأعمال جميعا!لقد كان هم قيادتنا أن تحتل أكبر مساحة من الأرض، وكانت النتيجة أن الكتائب الأربع توزعت علي خطوط طويلة وأصبحت قواتنا المبعثرة لا هم لها إلا حماية نفسها ومواصلاتها.ولم يعد هناك تحت تصرف القيادة احتياطي متحرك تستطيع أن توجهه لضرب العدو.وأصبح قائد الجيش المحارب.. قائدا بلا جنود!
أو هو في الكثير يحكم مجموعة من نقط الحراس المبعثرة علي جبهة واسعة!وكنت أري بوضوح أننا فقدنا تماما القدرة علي المبادأة وأسلمناها للعدو طائعين مختارين!وكان هذا الذي كنت أراه في مكان في غزة واضحا أمام الضباط والجنود في الخنادق، وكان له أثره المدمر علي الروح المعنوية.كان كل جندي يشعر بالنقص في السلاح..وأكثر منه يشعر بالنقص في الخطط.
وأحس كل واحد منا أن القائد العام في الميدان لا يملك من أمر قواته شيئا وأنه لا يتصرف طبقا لاحتياجات الميدان وانما هو يتصرف تحت تأثير عوامل أخري أبعدها عن حسابه ظروف الميدان!وكان شعور الضباط والجنود أنهم تحت رحمة العدو!هناك في مراكزهم المعزولة المتناثرة، كان هذا يجعلهم يشعرون بأنهم هدف منعزل محدد ثابت أمام عدو قادر علي الحركة السريعة!
وعاد الكلام في الخنادق مرة أخري عن الحرب السياسية !وكان هذا أبغض شيء الي تفكيري في تلك الظروف. فقد كنت أعرف من عبر التاريخ أنه ما من جيش دخل حربا سياسية إلا هزم فيها، وكانت آخر الأمثال في ذاكرتي هزيمة ويفل في معركة اليونان.أن الحرب يجب أن تكون حربا!وكان لنا قائد.. ولكن ليس له جنود!
لأنه بعثرهم علي جبهة واسعة، بحيث أصبحوا قوات حراسة تكاد مع التفاؤل الشديد تكفي لحماية نفسها فقط!أن الحرب يجب أن تكون حربا!وكان لنا قائد.. ولكن ليس له جنود!لأنه بعثرهم علي جبهة واسعة، بحيث أصبحوا قوات حراسة، تكاد مع التفاؤل الشديد تكفي لحماية نفسها فقط!ووصلت لي الأوامر بأن أسلمها قطاع غزة لأن كتيبتنا كان عليها أن تتقدم الي الأمام وتحتل مراكز أسدود .وكنت أشد الناس سعادة بهذه الأوامر.كنا ـ أخيرا ـ سنلتقي بالعدو ونخوض معركة ضده.وكنت ـ مرة أخري ـ سألتقي بعبد الحكيم عامر، فقد كان هو أركان حرب الكتيبة المحاربة في أسدود .
وكنت كأركان حرب الكتيبة السادسة، سأتسلم منـه ـ مرة أخري ـ المواقع التي تحتلها كتيبته.وقبل أن نتحرك من غزة جاءتنا أوامر غريبة!ويكمل جمال عبد الناصر القصة المؤسفة والمثيرة في مذكراته فيقول:جاءتنا إشارة استعداد بأن نجهز أنفسنا لنجدة الجيش الأردني الذي كان مشتبكا في معركة بباب الواد ، ولم تكن لدينا أية معلومات عن هذه المعركة.وكان مدهشا في رأيي أن يكون لنا أربع كتائب في فلسطين، ثم نتخلي عن واحدة منها ـ ربع الجيش المحارب تماما ـ ونبعث بها الي حيث لا ندري في باب الواد !ولكن الأوامر من حسن الحظ ألغيت!وكنا علي استعداد للتحرك، ومضينا الي حيث كان علينا أن نمضي أولا.الي أسدود ..الي حيث سنلتقي ـ أخيرا ـ بالعدو وجها لوجه!
والتقيت بعبد الحكيم عامر في أسدود .وكان كمن تركته آخر مرة!ابتسامته التي تبعث علي الثقة وروحه الطليقة. وقضينا معا ليلة لا أنساها!كان فراشه في حفرة في حديقة برتقال..ووضعت فراشي في نفس الحفرة علي الناحية الأخري من شجرة البرتقال.ولم ننم طوال الليل.كان الجو غريبا مثيرا.كنا في أقصي المواقع الأمامي قرب العدو.
وكان جهاز اللاسلكي بجوار عبد الحكيم عامر ينقل إليه التطورات دقيقة بدقيقة.وعلمت من عبد الحكيم عامر لأول مرة أن هجوما سيقع في الغد علي مستعمرة نيتاليم ، وأبديت لعبد الحكيم عامر قلقي من أن يتكرر ما حدث من قبل في دير سنيد .وبدأ عبد الحكيم عامر يهدئ قلقي..قال لي أنه تعلم دروسا من دير سنيد . وقال لي أن روح الضباط الشبان عالية لدرجة أنه أجري قرعة بين السرايا لكي يحدد أيها يقع عليها مهمة قيادة الهجوم، ولكن قائد إحدي السرايا تطوع ورفض إجراء القرعة، وكان هو اليوزباشي محمود خليف، وكان أحد أفراد تنظيم الضباط الأحرار!وتركني عبد الحكيم عامر عند الفجر ومضي الي المعركة!
وقضيت يوما مشحونا..كان عليّ أن أرتب مواقع كتيبتنا في مواقعها الجديدة، وكنت مشغولا في الوقت نفسه بالذي يجري أمامنا الي الغرب علي الساحل في نيتاليم وكنت ألتقط أخبار المعركة.وعند العصر..وجاءتنا الأخبار بأن الكتيبة التاسعة نجحت في عملها، وأنها استولت علي المستعمرة، وعلمت أن محمود خليف قائد السرية المتقدمة قد استشهد، وأن شظية أصابته.وكانت تلك هي المعركة التي رقي فيها عبد الحكيم ترقية استثنائية في الميدان.وقضينا الليل والعدو يطلق علينا النار ونحن نبادله نيرانا بنيران.
ولكن خواطري لم تكن معي.كانت تحلق فوق أرض الميدان كله.وكنت أقول لنفسي:ـ ها نحن قد نجحنا في معركة نيتاليم .أن روح الشجاعة لا تنقص ضباطنا وجنودنا اذن.ولكن ذلك كان العامل المشجع الوحيد، وفيما عداه كان الموقف كله يبعث علي القلق!كنت أطوف بخيالي الميدان كله..فأجد قواتنا المبعثرة يقل تركيزها كلما اقتربت من الخط الأول لملاقاة العدو!
كانت منتشرة علي مساحات واسعة من الأرض علي عددها القليل وكانت كما قلت، قد تحولت الي نقط حراسة عليها أن تحمي نفسها!ولم يكن هناك فائض قوات يمكن استخدامه في هجوم.ولم نكن نحارب كجيش!وانما تحولنا بعد دخول فلسطين الي جماعات متفرقة علي مراكز واسعة الانتشار!وكانت النتيجة أن العدو نجح في تثبيتنا فيها!واحتكر لنفسه حق الحركة وحشد القوات والهجوم علينا من حيث يريد!وكنت أسأل نفسي وألح في سؤالها:ہ لماذا فعل قائدنا ذلك؟ہ لماذا شتت قواته وبعثرها بهذه الطريقة؟ہ ولماذا سمح لنفسه أن يندفع في خط طويل مكشوف من كل ناحية أمام العدو؟! بحر غزة وسر الكارثة في ساحة القتال أدرك جمال عبد الناصر علي أرض فلسطين سر الكارثة التي انتكب بها الجيش المصري، فقد بعثرته قيادته بلا هدف علي مساحات شاسعة من الأرض وجعلت قواته أشبه بنقاط حراسة متناثرة بعيدة عن بعضها البعض لا يمكنها دخول حرب حقيقية، وكل ما تستطيعه إن استطاعت هو حراسة نفسها! لكن جمال عبد الناصر في نفس الحرب شهد فدائية وشجاعة الجندي المصري البسيط الذي كان يواجه الموت عاريا في بسالة منقطعة النظير.
وفي نفس اليوم الذي قضاه جمال عبد الناصر في مستشفي غزة العسكري وسط الجرحي من الجنود والضباط المصريين، استمع من الراديو الي القاهرة تذيع بلاغات الانتصارات الوهمية التي حققها الجيش المصري في فلسطين.ويسجل جمال عبد الناصر في مذكراته تطورات الأحداث في ميدان القتال قائلا:
- وبدأت أخبار الهدنة تصل إلينا في الخنادق ".وجاءتنا الأوامر بوقف القتال في الساعة السادسة من صباح الجمعة.وعاد الكلام مرة أخري عن الحرب السياسية.لكن العدو لم يأخذها حربا سياسية!فقبل حلول موعد وقت القتال تلقيت الأخبار بأن قوات من العدو قطعت الطريق بين المجدل وأسدود!واستطعنا مع العصر أن نخرج العدو من المراكز التي كان يحصنها علي طريقنا والتي لو بقي فيها لاستطاع أن يمنع النجدة والمؤن عن قواتنا في أسدود طوال فترة الهدنة.
وقدت سيارة الجيب عند العصر الي حيث الموقع الذي حاول العدو احتلاله، ورأيت لأول مرة جثث القتلي من جنوده وحولهم ما كان معهم من ذخائر.ووقفت علي ربوة عالية قرب هذا الموقع..ومرة أخري بدأت خواطري تسرح..ها أنا علي ربوة عالية في فلسطين بين المجدل وأسدود.البحر بزرقته الداكنة يمتد الي حافة الأفق جليلا مهيبا. والشمس الحمراء في موكب الغروب وألوانه الرائعة تهبط وراء البحر.وبالقرب من جثث عدو يحاول أن يقتلنا وقد نجحنا في قتله.والي الشرق.. مواقع قواتنا المتناثرة التي أدت كل ما طلب منها حتي الآن رغم العقبات التي واجهتها، والمصاعب التي سدت طريقها رغم الجبهة الشاسعة، رغم القوات المشتتة المبعثرة، رغم الحرب السياسية، رغم النار تندفع إليها بلا دروع تحميها!
والي الجنوب مقر قيادتنا..التي تعيش في ميدان القتال وتحارب حربا سياسية!والي الجنوب الشرقي عاصمتنا..التي تتحكم في أمرنا وتوجهنا الي حيث تريد.وارداتها اليوم.. حرب.. ولا حرب!وهناك بعيدا في نيويورك مجلس الأمن.حيث مجموعة من أحد عشر رجلا قرروا فيما بينهم أن تقف المعركة التي نعيش فيها، وعلينا أن نطيع!وملأت رئتي بهواء البحر..واستدرت عائدا الي سيارتي عبر جثث العدو المبعثرة قرب الطريق وأنا أسأل نفسي:ہ ماذا بعد ذلك.. تري ما الذي يخبئه لنا القدر ؟!
ولم يكن ممكنا أن يعود جمال عبد الناصر من حرب فلسطين فقط!كان القدر يخبئ له أن يحصل علي هذه الأرض العربية الغالية، علي أغلي وسام يمكن أن يحمله محارب في أي حرب شريفة!وكان هذا الوسام.. هو رصاصة تلقاها جمال عبد الناصر في صدره في ساحة الميدان!ورغم ذلك.. فقد تحامل البطل علي نفسه!وتجلد كما يفعل المقاتلون الأشداء.
وفي مستشفي مجدل العسكري فحصه أحد الأطباء.ومضي جمال عبد الناصر في مذكراته يكتب تفاصيل ما حدث قائلا:نظرت الي الطبيب الذي فحصني بعد أن وصلت الي مستشفي المجدل في دهشة.. وأنا لا أكاد أصدق ما يقول !لقد كان تحليله لظروف الرصاصة التي أصابت صدري أغرب من أن يقبل بسهولة!
كنت قد دخلت عليه وأنا واثق من موضع الرصاصة ومن نزيف الدم في صدري، أن الجرح نافذ وأن الرصاصة وصلت الي حدود القلب!ورفعت منديلي الغارق بالدماء.والذي كنت أحاول به وقف الدم المتدفق من صدري.ہ وقلت له: صارحني بالحقيقة ولا تتردد!
بدأ الطبيب مرة أخري يفحص الجرح وهو يهز رأسه بطريقة لم أستطع أدراك مدلولها.ونظرت الي الطبيب..ہ وقلت له: أهو جرح نافذ؟ابتسم الطبيب وهو ما يزال يهز رأسه.وقال: أعذرني.. فاننا لا نري مثل هذه الحالة كل يوم!ثم سألني: ـ هل تعرف ما حدث لك؟ہ قلت: أعرف، أهم ما فيه علي الأقل.. لقد أصابتني رصاصة في صدري!ـ قال: هذا صحيح.. ولكن هل تعرف كيف أصابتك؟بدأت أضيق بهذه المناقشة..ہ وقلت له: كما يصيب الرصاص أي واحد من الناس!هز الطبيب رأسه ينفي نفيا قاطعا.ـ وقال: لا.. لقد أصابتك رصاصة.. ولكن بطريقة تختلف عن إصابة بقية الناس بالرصاص.. ان الطلقة التي أصابتك اصطدمت بالجدار المصفح للحمالة التي كنت تركبها فحدث لها شيء غريب لا يحدث للرصاص، لقد انفصلت الرصاصة نفسها عن غلافها المعدني وطاشت الرصاصة عنك، أما الذي دخل الي صدرك فكان غلافها المعدني فقط!
واستلقيت أمام الطبيب علي مائدة العمليات..وبدأت مشارطه تجري حول مكان الإصابة، وبعد عشر دقائق قال لي وهو يناولني قطعا من شظايا النيكل الممزق:ـ خذ.. احتفظ بها!وأمسكت الشظايا الممزقة التي كانت مستقرة في صدري ووضعتها في راحة يدي.. ورحت أتأملها.وحين سألت نفسي..ہ ماذا كان يمكن أن يحدث لو أن الأمر جري علي العكس.. لو كان الغلاف هو الذي طاش، وكانت الرصاصة نفسها هي التي اتجهت إلي صدري؟!حين سألت نفسي هذا السؤال..وجدت روحي كلها أقرب ما تكون الي الله، وأنا أغمغم في سري:ہ الحمد لله!طعمية في المستشفي.. لجمال عبد الناصر!وفي إنسانية رائعة.وبساطة مذهلة يمضي جمال عبد الناصر عائدا الي أيامه في فلسطين، لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة وساعة بساعة، ويوما بيوم حتي يشعر من يقرأ هذه المذكرات أنه عاش هذه الحوادث مع أبطالها الحقيقيين:
ويكمل جمال عبد الناصر حديثه عن ذكرياته في مستشفي المجدل بعد إصابته برصاصة في صدره ونجاته من الموت.. فيقول:كان مستشفي المجدل كله خاليا إلا مني !وكنت حين وصلت إليه في الصباح النزيل الوحيد في كل عنابره.وقت طويل، وطلبت فنجانا من الشاي الساخن، أخذت أحتسيه في هدوء وعقلي ما زال يدور حول الطريقة الغريبة التي نجوت بها.وأحسست بعد فنجان الشاي أن شهيتي قد انفتحت وأنني أشعر بالجوع لما لم أشعر به أبدا!
وتلقيت صدمة حياتي حين قيل لي: ليس عندنا طعام!ہ قلت بدهشة: كيف.. انني جائع؟ـ قيل لي: المفروض أن تبعث إليك كتيبتك بطعامك الي هنا!نظرت الي الذي قالها لي..ہ وقلت مستنكرا: كتيبتي؟وعدت أكرر من جديد ہ كتيبتي.. كتيبتي؟!ثم نظرت إليه أقول ہ أين هي كتيبتي؟وقفز فجأة الي خيالي والي أعصابي إحساسي بكتيبتي!أين هي؟لقد تركتها لآخر مرة منذ ساعات قليلة في وضع لا تحسد عليه.
تركتها مشتتة علي مواقع مكشوفة مفتوحة!تركتها وقد أصدرت إليها قيادتنا أمرا بأن تدخل وسط العدو لكي تحاصره.وهززت رأسي، والصورة الكاملة للحالة التي تركت عليها كتيبتي تملأ وجداني.
وعدت أقول وكأنني أكلم نفسي بصوت عال!ہ نعم.. هذا هو الذي فعلوه تماما.. قالوا لنا ادخلوا وسط العدو لكي تحاصروه، وهو يحيط بنا من كل جانب؟!لقد حدث ما كان يجب أن يحدث!
حين أصبحنا وسط قوات العدو أصبحت قواته هي التي تحاصرنا وليس نحن الذين نحاصر قواته!نعم.. كيف؟وكيف فكروا في هذا!وأفقت من خواطري علي صوت الذي طلبت منه الطعام في مستشفي المجدل وهو يقول: ـ هيه.. هل رتبت مع كتيبتك أن تبعث إليك بطعام؟قلت له ونصف ابتسامة مغتصبة تمر علي شفتي:ہ ليت كتيبتي في مواقعها التي هي فيها تجد من يبعث إليها بطعام!نظر إلي الرجل.. وقال لي: ـ لا أفهمك!قلت له وأنا أنهي المناقشة.ہ ليست هذه مشكلة ملحة علي أي حال.. هل أجد عندك من يذهب الي السوق لكي يشتري لي طعاما؟وحين عاد أحد الجنود من السوق بعد أن اشتري رغيفا من الخبز وخمسة أقراص من الطعمية وعنقودا من العنب.وجدت شهيتي قد ضاعت مني!
ووجدت أن الطعام هو آخر ما تطلبه نفسي!يكمل جمال عبد الناصر يوميات المستشفي فيقول:واستلقيت علي سرير المستشفي منهوك القوي ..كان التعب المادي والمعنوي الذي عشناه في الأيام الأخيرة قد بدأ يضغط علي عظامي وأعصابي، ومع أني كنت بجسمي مستلقيا علي الفراش فان عقلي لم يكن مستلقيا معي.
لم أستطع أن أرغم تفكيري علي أن يمنح نفسه إغفاءة قصيرة تريحه بعد مجهود عنيف، كان هناك شيء يضغط علي ضميري. لقد كنت أركز العمل كله في يدي كأركان حرب للكتيبة، فكيف الآن تجري الأمور من غيري؟من الذي تقدم ليحمل المسؤولية التي سقطت عن كتفي؟وما هو تأثير عمله علي الضباط والجنود في مواقعهم؟وهتف بي خاطر:ـ ماذا تفعل أنت هنا.. وهم وحدهم هناك؟
ومضي الخاطر الهاتف:ـ إن حرصك غير نافذ.. فما هو معني بقائك في المستشفي.. انها مجرد شظايا نيكل دخلت صدرك؟ـ وصممت بأن أقوم..ـ ارتكزت بمرفقي علي حافة الفراش..ـ وبدأت أرفع جسدي.ولكني لم أستطع أن أمضي في المحاولة الي آخرها!وتركت الجزء الذي كنت قد تمكنت من رفعه من جسدي يعود فيرتمي علي الفراش من جديد.كنت متعبا..وكان تأثير الصدمة، صدمة الإصابة، وتأثير الدم الذي نزف من صدري ما زالا طاغيين علي أعصابي.وعزمت فيما بيني وبين نفسي علي أن أستسلم للراحة قليلا ثم أهب بعدها لكي ألحق بكتيبتي في مواقعها التي تركتها عندها.
ولكن لم أستطع أن أستسلم للراحة أبدا! فجأة.. أحسست بالمستشفي كله يموج بالحركة!كنت منذ دقائق نزيله الوحيد.لكنه فجأة بدأ يضيق بالوافدين عليه!وأدركت علي الفور أن هذه هي نتائج المعركة الدائرة حول نجبا .وتركت فراشي ملهوفا وأسرعت الي الطواف بعنابر المستشفي كلها.كان المفروض في مستشفي المجدل أن يكون إسعافا سريعا، ولم يكن مفروضا أن يبقي فيه بعد الإسعاف السريع إلا ذوو الإصابات الخفيفة، أما الحالات الخطرة فقد كانت بعد الإسعاف السريع ترحل فورا الي مستشفي غزة.ويظهر أن المستشفي من كثرة الذين جاؤوا إليه لم يستطع حتي أن يمارس مهمة الإسعاف السريع، فبدأ يحول الواصلين إليه مباشرة الي غزة، بعد أن ضاق بالذين ملأوه في ساعات قليلة!كان الحال مروعا..
كانت هناك تأوهات وآلام يحاول أصحابها أن يكبتوها ويتشجعوا!كان هناك زميل سلاح اخترقت رصاصة خوذته فوق رأسه ومزقت فروة الرأس. وتأملت خوذته وإصابته..وأحسست أنني أكثر من محظوظ!
وكان هناك زميل سلاح آخر أصيب بصدمة عصبية!كان شابا وكنت أعرفه، فقد كان تلميذي يوم كنت مدرسا في الكلية الحربية، وكان يهذي من صدمته بما لا يعي. اكره الحربوتصورته يوم جاءنا في الكلية أول مرة يرتدي الملابس المدنية.وتذكرته في مراحله المختلفة ونحن نصنع منه جنديا مقاتلا.وها هو ذا يعيش التجربة التي كنا نعده لها!
وقضيت الليل كله ساهرا لا يقترب النوم من عيني.كنت أفكر فيمن حولي، وفي البعيدين عني في المعركة.وكنت أفكر في الحرب نفسها.وأحسست من قلبي أنني أكره الحرب.ليست هذه الحرب التي كنا نخوضها بالذات، ولكن فكرة الحرب.أحسست أن الإنسانية لا تستحق شرف الحياة، إذا لم تعمل بقلبها من أجل السلام.وجدتني أقول لنفسي:
ـ ما هذا.. اننا نسفك دماء إنسانيتنا بهذه الحياة التي نحياها في ميدان القتال، أكون جالسا مع صديق ونفترق بعد دقائق يدق التليفون وأرفع السماعة.ويقول لي أحدهم:ـ أن فلانا قد مزقته قنبلة!ولا أتأثر!لأنه لا ينبغي لجندي أن يتأثر في ميدان القتال!وانما عليّ أن أقول ببساطة: ده حسن.. ابلغوا جماعة الدفن!ولست أدري لماذا وجدتني أقطع عهدا علي نفسي:
لقد عاهدت نفسي أنني لو كنت مسؤولا في يوم من الأيام في بلدي فسوف أفــــكر ألف مرة قبل أن أدفع بجنودنا الي حرب حين لا تكون هناك وسيلة أخري غيرها، إلا حين يكون شرف الوطن مهددا وكيانه في مهب العواصف وما من شيء ينقذه إلا نيران معركة .

ليست هناك تعليقات: