آخر المقالات

الأربعاء، 26 سبتمبر، 2007

معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق -4






احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق (4) الطريق بين الفلوجة وسامراء كانت مليئة بالآليات المحطمة التي لم يتمكن الامريكيون من اخلائهاالطوق العسكري حول كبري مدن الرمادي اوحي بقرار بوش الانتقام من المدينة واهلها

منقول من القدس العربي
26/09/2007



يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق.
و القدس العربي تنفرد بنشر فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حولتها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام .القدس العربي

بدايات خطة الهجوم
بعد يوم وليلة قضيتها في الفلوجة الخميس الأول إلي صباح الجمعة الثاني من نيسان (ابريل) 2004 جبت خلاله أرجاء المدينة وتحدثت إلي كثير من الناس حتي أضع تصوراً لما سوف أقوم به من تغطية تليفزيونية مقررة من المدينة ضمن تغطية قناة الجزيرة يوم الجمعة التاسع من نيسان (ابريل). وكنت دائماً أحرص علي أن أفهم كثيراً من أبعاد الموقف من خلال رؤيتي ومعايشتي للواقع وليس من خلال ما يتم تناقله.
ومن خلال حواراتي ولقاءاتي المباشرة مع أهل الفلوجة لاحظت عليهم شيئاً من القلق المشوب بالحذر، والكل كان يسألني ماذا سيحدث؟ وأنا كنت بدوري أسأل الناس ماذا يتوقعون؟
فالمدينة في النهاية ليست ثكنة عسكرية، وليس بها جيش يدافع عنها، وإنما هي مدينة عادية مثل كل المدن بها ثلاثمئة ألف مدني أغلبهم من النساء والأطفال والعجائز، وعموم الناس لهم حياتهم وتجارتهم ووظائفهم ومشاغلهم وحقولهم ومصالحهم وهموم حياتهم، والمقاومة عبارة عن مجموعات صغيرة من أهل المدينة ليس لهم قواعد ثابتة أو معلومة حتي تقوم القوات الأمريكية بالهجوم عليها أو تعقب من فيها، ومن ثم فإن العقاب الأمريكي والانتقام الجماعي من المدينة وأهلها والذي أعدت خطته بين الإدارة السياسية والعسكرية سواء في واشنطن أو بغداد سيكون جريمة إنسانية كاملة الأركان.

الطريق إلي سامراء
توجهت صباح الجمعة 2 نيسان (ابريل) من مدينة الفلوجة إلي مدينة سامراء، وقد علمت أن هناك طريقاً مختصراً عبر ذراع دجلة يمكن أن أذهب من خلاله من الفلوجة إلي سامراء مباشرة دون الحاجة إلي دخول بغداد.
وكان أهم ما لفت نظري طوال الطريق هو عدد الآليات الأمريكية المحطَّمة علي جانبي الطريق بفعل الكمائن والتي لم يتمكن الأمريكيون من انتشالها. فالعادة لديهم أنه إذا وقع لهم كمين كانوا يغلقون الطريق، ثم ينتشلون قتلاهم وجرحاهم بالمروحيات، ثم يحملون الآليات المحطمة علي شاحنات، فلا يستطيع أحد أن يحصي وراءهم شيئاً، لكن يبدو أن حجم العمليات كان قد ارتفع بشكل كبير لم يمكِّنهم من انتشال كل آلياتهم، وكانت العبوات الناسفة هي أغلب ما تعرضت له هذه الآليات.
أما مدينة سامراء فقد كانت حاضرة العباسيين وكان اسمها سر من رأي ، واختصرها الناس إلي سامراء. وكنت أهدف من وراء رحلتي إليها أن أستكمل رحلاتي إلي معظم مناطق العراق التي تشتعل فيها المقاومة بعدما زرت الرمادي والفلوجة وتكريت، وقبل ذلك محافظة ديالي وكثير من مدنها.
كما مررت بكثير من المدن التي عرفها الناس من خلال نشرات الأخبار وتقارير وكالات الأنباء، مثل التاجي والطارمية والضلوعية وبلد وغيرها من مدن وقري صغيرة لكن أهلها قاموا بأعمال كبيرة في مواجهة سلطات الاحتلال، وكانت أسماء تلك المدن والقري ولا زالت تتصدر الأخبار ونشرات الأخبار الرئيسية في أنحاء العالم.
وقد قمت بذلك في محاولة لتتبع الوضع علي الساحة العراقية من كافة جوانبه وجمع المعلومات المباشرة من أرض الواقع كما عملت في حياتي المهنية من بدايتها لا سيما في تغطية الحروب، وزيارة سامراء كانت تمثل بعداً هاماً لي في فهم المشهد العراقي
قصة صُهَيْب الباز
كان في صحبتي إلي سامراء الزميل صهيب الباز السامرائي الذي كان يعمل في مكتب قناة الجزيرة في بغداد، وهو من أهل سامراء. وصهيب هذا له قصة طريفة رواها لي علي مدي يومين من الصحبة في الأسفار سأذكرها هنا باختصار، فقد كان صهيب مثل كثير من الشباب العراقيين الذين كان يمكن أن يطلق عليهم باباراتزي .
وهذا هو الاسم الذي يطلق علي من يقومون بمثل عمله في الغرب، وهؤلاء هم المصورون الذين يطاردون المشاهير أو يسعون لالتقاط الصور النادرة التي يبيعونها للصحافة العالمية مقابل مبالغ كبيرة من المال.أما في العراق فهؤلاء كانوا من المصورين الهواة الذين يحملون كاميرات فيديو صغيرة، أو كاميرات تصوير عادية، وكانوا يجوبون شوارع بغداد أو المدن الأخري يبحثون عن صور مميزة لقوات الاحتلال أو عمليات عسكرية يتصادف وجودهم أو عبورهم خلال حدوثها فيقومون بتصويرها ثم يقومون بعرضها لمن يشتري من محطات التلفزة أو وكالات الأنباء التي كانت تملأ مكاتبها العراق، وليس لديها عدد كاف من المصورين لترسلهم في كل مكان لينتظروا حادثاً لتصويره.
وقد قام صهيب بتصوير حادث أو اثنين وباعهم مثل كثيرين غيره من المصورين الشباب إلي مكتب قناة الجزيرة في بغداد، ولأنه كان نشيطاً فقد عرض عليه الزملاء في المكتب أن يعمل معهم بالقطعة، فكان صهيب يجوب الشوارع بكاميرا الفيديو الصغيرة التي معه مثل عشرات من الشباب العراقيين آنذاك، بحثاً عن أي صور يمكن أن يلتقطها ويبيعها لقناة الجزيرة، ولأن الكمائن كانت كثيرة علي طريق بغداد سامراء المؤدي إلي الموصل حتي إنهم أطلقوا عليه اسم طريق الكمائن فقد فضَّل صهيب أن يظل يجوب هذا الطريق ذهاباً وإياباً طوال اليوم، ربما صادف كميناً أو عملية ضد القوات الأمريكية فيقوم بتصويرها.
وكلما كانت الصور مميزة والتصوير جيدا كان العائد المادي أفضل، فكان يصادف في بعض الأحيان كميناً أو عبوة ناسفة انفجرت في رتل عسكري أو سيارة وأحياناً كثيرة لا يصادف شيئاً، فهو مثل الصياد.
وفي يوم من الأيام صادف كميناً وقعت فيه القوات الأمريكية ووقع بينها اشتباك وبين بعض رجال المقاومة وقد وصل صهيب في نهاية المعركة بحيث كان الأمريكيون لا زالوا يلملمون قتلاهم وجرحاهم. وببراءة تامة وقف يصور صيده الثمين وهو سعيد ويحلم بالمبلغ الكبير الذي سوف يحصل عليه حينما يعود بهذه الصور المهمة إلي مكتب قناة الجزيرة في بغداد، لكن الجنود الأمريكيين بمجرد أن شاهدوه يقوم بالتصوير قبضوا عليه ووجَّهوا له تهمة التعاون مع المقاومة، وإلا لماذا تواجد في وقت العملية لتصويرها وكأنه علي علم بها؟ وحينما قال لهم إنه يصور لقناة الجزيرة أصبحت قناة الجزيرة متهمة بأنها علي علم بالعمليات وترسل المصورين لتصويرها حالة حدوثها.
وقد ردد أكثر من مسؤول أمريكي مثل الجنرال ريكاردو سانشيز وقائده جون أبي زيد اتهامات مباشرة لقناة الجزيرة أكثر من مرة بأن مصوريها يتواجدون حيث تكون العمليات، مما يعني علم قناة الجزيرة بها. لكنها أحياناً تكون الصدفة البحتة كما حدث مع صهيب هي السبب، أو يقوم رجال المقاومة أنفسهم بتصوير العمليات وتقديم الأشرطة مجاناً للجزيرة أو غيرها من القنوات الأخري.
وكانت حادثة صهيب الباز تحديداً إحدي هذه الحوادث التي استخدموها في هذه الدعاية ضد قناة الجزيرة.أُخِذَ صهيب بعد اعتقاله إلي سجن أبو غريب السيء الصيت، وبعد تحقيقات مطوَّلة معه لم يوجهوا له أي اتهام، لكنهم أبقوه في السجن مثل آلاف مؤلفة غيره من العراقيين الموقوفين دون اتهام.
ولأنه كان جميل الصوت فقد كان كل يوم في المساء يرتل القرآن بصوت مرتفع بحيث كان يسمع من معه في الزنازين المجاورة. وفي يوم جاءه أحد كبار المحققين الأمريكيين في الصباح وقال له: سمعتك أمس تردد بعض الترانيم والأناشيد بصوت جميل وأريد أن أسمعها منك مرة أخري ، فقال له صهيب: هذه ليست ترانيم أو أناشيد ولكنه القرآن الكريم .
صمت المحقق طويلاً ثم قال له بتعجب: هل هذا هو القرآن؟ قال صهيب: نعم فقال له المحقق: هل يمكن أن تتلو عليَّ منه مرة أخري يقول صهيب: فأخذت أتلو عليه بصوتي بعضاً من آيات القرآن ، وبعد قليل بدأ يتأثر ثم بكي رغم أنه لا يعرف اللغة العربية حيث كان يتواصل معي عن طريق مترجم، فتوقفت حينما رأيته يبكي، فأشار لي ألا أتوقف، فأكملت ثم بعد قليل توقفت وتوقف هو عن البكاء، ثم قال لي: لماذا أنت هنا؟ فرويت له قصتي، فقال لي: سأحاول جاهداً أن أخرجك من هنا لكن هذا الأمر سيستغرق مني بعض الوقت وإلي أن يحين هذا سوف آتيك كل يوم لتقرأ لي شيئا من القرآن، وبالفعل تردَّد هذا المحقق عليَّ عدة مرات وفي كل مرة كان يتكرر المشهد ويبكي الرجل ثم يذهب، وفي يوم جاءني وقال لي: سوف تخرج لقد نجحت في تسوية ملفك. وكان هذا بعد سبعة وسبعين يوماً قضيتها في معتقل أبو غريب . وبالفعل خرجت من المعتقل.

عودة إلي سامراء

لم تكن سامراء بالنسبة لي مجرد مدينة عادية مثل كثير من مدن العراق الأخري التي ذهبت إليها، وإنما كنت في طريقي إلي حاضرة العباسيين التي كانت تجيش منها الجيوش ويجبي إليها الخراج من أطراف دولة الخلافة الإسلامية، كنت في طريقي إلي حيث كان مجد الأمة الإسلامية وعزها، إنها عاصمة الخليفة المعتصم بالله العباسي الذي جيَّش الجيوش منها استجابة لنداء امرأة مسلمة في بلاد الروم اعتدي عليها رومي فقالت قولتها التي بلغت الآفاق وامعتصماه .
لكني الآن كنت في طريقي إلي سامراء التي خربها الغزاة الأمريكيون واحتلوها وأذهبوا عنها هذا السرور الذي سميت به، والحضارة التي كانت تنعم بها والبهجة التي كانت تحيطها، سر من رأي فهي تقع علي نهر دجلة وخلفها بحيرة الثرثار التي تسر النظر لا سيما إذا تأملها الإنسان من فوق المئذنة الملوية، لمسجد الخليفة المعتصم الضخم الكبير الذي لا زالت جدرانه قائمة حتي الآن لكنها مهملة مثل المدينة التي كانت مدينة العز والخلافة، وقد بني هذا المسجد بين عامي 221 و 227 هجرية.
ورغم أن سكان سامراء البالغ عددهم 285 ألفاً كلهم من أهل السنة ومن قبائل العرب الأصيلة إلا أن المدينة بها مقام الإمام علي الهادي أحد أئمة الشيعة الذين يأتون لزيارته من إيران ومن معظم أنحاء العالم. وقد نسفت قبة هذا المقام في يوم 22 شباط (فبراير) من العام 2006 ، ثم نسف ما تبقّي من المئذنتين في 13 حزيران (يونيو) من العام 2007، في ظروف لا زالت غامضة لإشعال الحرب الأهلية بين السنة والشيعة في .
ولا زالت علامات الاستفهام تحيط بالذين قاموا بهذا العمل، لأن المقام وسدنته وكل العاملين فيه من السنة منذ مئات السنين ولم يقم أحد علي الإطلاق بالقيام بأي أذي له، وذكر لي بعض العراقيين من أهل سامراء أن الزميلة أطوار بهجت التي قتلت في نفس هذا اليوم في سامراء 22 شباط (فبراير) 2006 ، كانت قد توصلت إلي معرفة المجرمين الحقيقيين الذين ارتكبوا هذا الفعل، والذين لهم نفوذ واسع في العراق، وكانوا يخططون لاندلاع الحرب الأهلية الطائفية، ولذلك عاجلها هؤلاء المجرمون وقتلوها قبل أن تبوح بهم.
عبرنا جسر سد الثرثار المقام علي البحيرة، ومنظر المياه من علي الجسر مثير للغاية؛ فمن جهة البحيرة التي تمتد علي مرمي البصر تري المياه مرتفعة للغاية، ومن جهة النهر تري المياه منخفضة للغاية، وبعد الجسر مباشرة كانت هناك نقطة لقوات الاحتلال الأمريكية غالباً ما تُشَنّ عليها عمليات عسكرية من قبل المقاومة.
وهي منطقة توتر دائم، لذا فإن القوات الأمريكية كثيراًً ما تقوم بإغلاق الجسر وهو الرابط الأساسي للمدينة بالخارج.نزلنا في ضيافة الشيخ ناهض السامرائي وهو من وجهاء سامراء وعلمائها الكرام، من هؤلاء الناس الذين إذا رأيتهم أحببتهم وإذا عرفتهم زاد حبك لهم. وكنت قد تعرفت عليه في مكتب قناة الجزيرة في بغداد حينما كان الزميل وضاح خنفر مديراً للمكتب وذلك في إحدي زياراتي السابقة للعراق في شهر تموز (يوليو) من العام 2003.
وكان بصحبة الشيخ ناهض آنذاك بعض وجهاء سامراء حيث دار بيني وبينهم نقاش طويل حول الأوضاع في العراق، فوجهوا لي الدعوة لزيارة سر من رأي والتعرف من قرب عليها وعلي أهلها وتاريخها وقصورها القديمة وعصرها الزاهر وربطه بالحاضر، ربما يدخل بعض عبق التاريخ شيئاً من السرور إلي النفس يزيل بعض هموم الواقع وآلامه، فوعدتهم بذلك لكني حققت وعدي بعد عدة أشهر في هذه الرحلة.
شعرت أن هذه المدينة التاريخية العظيمة مهملة إلي حد كبير، وعلاوة علي الإهمال فهي تقع تحت الاحتلال، وقوات الاحتلال غاشمة، وأهل سامراء أهل عشائر عربية أصيلة، يفتخر كثيرون منهم بأنسابهم التي تصل في جذورها إلي الصحابة، وبعضهم إلي بني هاشم والرسول الكريم صلي الله عليه وسلم، والكريم لا يرضي الضيم، لذلك فإن علاقتهم مع قوات الاحتلال من أول يوم لم تكن علي ما يرام، وقد بدا ذلك في نسبة الشهداء والأسري من أهل المدينة، فحينما زرت سامراء لم يكن هناك بيت من بيوتها ليس فيه معتقل أو شهيد، وكان عدد المعتقلين من أهل سامراء بعد عام من الاحتلال يزيد عن ثمانمئة وخمسين.
وتضاعف العدد بعد ذلك أضعافاً كثيرة. كانت سامراء تنتفض دائماً علي الاحتلال وتخضع للحصار وحظر التجول، وآخر انتفاضاتها قبل طباعة هذا الكتاب في شهر ايار (مايو) من العام 2007 حيث حاصرتها قوات الاحتلال أكثر من أسبوعين وفرضت علي سكانها حظر التجول في واحدة من أكبر الجرائم التي تمارسها سلطات الاحتلال الأمريكية ضد أهل العراق الرافضين للاحتلال.
صلينا الجمعة في مسجد الشيخ ناهض السامرائي، ثم دعانا إلي الغداء مع بعض وجهاء المدينة، ودار حديث طويل بيني وبينهم أشرت إلي كثير منه في ثنايا الكتاب، ثم ذهبنا إلي مقام الإمام علي الهادي للتعرف علي أحد معالم المدينة الرئيسية التي يشد الشيعة إليها الرحال من أنحاء الدنيا.
قابلنا حراس المسجد وسدنته بالترحيب الحار، ورغم أنهم كانوا جميعاً من أهل السنة ومن أهل المدينة فقد كانوا هم المتكفلين بكل ما يتعلق بالمقام ذي القبة الذهبية الذي بني في عهد الخليفة المعتصم العباسي، وبه قبر الإمام علي الهادي ونجليه الحسن العسكري وجعفر الزكي، لكن الأهم من ذلك في معتقدات الشيعة هو أن المقام كان يقع فيه السرداب الذي يقود إلي المكان الذي اختفي فيه الإمام الغائب الذي سيظهر في آخر الزمان حسب معتقداتهم المهدي المنتظر نجل الإمام الحسن العسكري.
قمنا بعد ذلك بجولة في سوق سامراء القديم حيث أحب دائماً أن أعيش في التاريخ من خلال المرور بالأسواق، وتحدثت إلي كثير من الناس، فالمدن تعرف من أسواقها وأي مدينة لا أمشي في سوقها أعتبر نفسي لم أعرفها جيداً.ثم ذهبنا بعد ذلك إلي مسجد الملوية الذي بناه المعتصم في القرن الثالث الهجري، وصعدنا إلي المئذنة رغم الهواء الشديد المخيف الذي كان يهزنا كلما صعدنا، وأدركت من فوق المئذنة لم اتخذ العباسيون هذه المدينة الجميلة حاضرة لدولة الخلافة التي كانت تبسط نفوذها علي كثير من بلاد الدنيا، لكنها اليوم اسيرة تحت الاحتلال الامريكي تقاومه وتأبي ان تقبل بوجوده.

بداية الهجوم علي الفلوجة؟
في يوم السبت 3 نيسان (ابريل) بدأت القوات الأمريكية بتنفيذ بدايات خطة هجومها علي الفلوجة، فأصدرت بياناً به صور بعض الذين شوهدوا علي شاشات التلفزة وهم يقومون بسحل جثث بعض المرتزقة في الشوارع، وكان معظمهم من المراهقين والأطفال والعامة، وطالبوا بتسليمهم للقوات الأمريكية، وبدأت عمليات التهديد والوعيد والتوتر تسود أنحاء العراق بشكل عام والفلوجة بشكل خاص. وقامت القوات الأمريكية بحصار الحي العسكري في المدينة وقامت مناوشات عسكرية بينها وبين بعض رجال المقاومة انتهت بفك حصار القوات الأمريكية عن الحي بعد ليلة من حصاره، وكانت توقعات الكثيرين لا تزيد عن أن التهديد الأمريكي في مداه الواسع لن يزيد عن عملية هجوم وقصف مثل كثير من العمليات التي حدثت.
ولأن الفلوجة قريبة من بغداد 55 كيلو متراً فقط، فلم يكن بها صحافيون مقيمون إلا أبناء المدينة الذين يعملون مع وكالات أنباء أو صحف أو محطات تليفزيون عربية أو عالمية، وكان من بينهم زميلنا حسين دلي الذي كان له دور بطولي رائع، ربما أفصِّل بعض جوانبه في الفصول القادمة من الكتاب.
كما أن المدينة لم يكن بها فنادق علي مستوي يسمح للصحافيين بالإقامة أو البقاء، فكان الجميع من غير المقيمين يأتون إلي المدينة صباحاً ويعودون إلي بغداد مساءً بعد أن يحصلوا علي صور أو لقاءات مع الناس. لذلك كانت المدينة تفرغ من الصحافيين كل ليلة إلا من أبناء الفلوجة المقيمين فيها، لكن حالة التوتر كانت سائدة، وكانت الطائرات تلقي منشورات بها تحذيرات ومطالب بتسليم مرتكبي الاعتداء علي المرتزقة، وكانت هناك قوات أمريكية تحتشد من بعض الجوانب، لكن أحداً لم يكن يتخيل أن يصبح الناس في الخامس من نيسان (ابريل) فيجدوا المدينة مطوَّقة من كل الجوانب، بقوات أمريكية يصل عددها إلي أحد عشر ألف جندي، لكن هذا ما حدث، لقد بدا أن أهل الفلوجة سحلوا بوش وإدارته في شوارعها وليس بعض المرتزقة الأمريكيين، لذا فإن بوش قرر الانتقام من المدينة وكل أهلها بنسائهم وأطفالهم وعجائزهم، مهما كان الثمن.

الطريق إلي الفلوجة

كانت شوارع بغداد مزدحمة للغاية صباح ذلك اليوم الاثنين الخامس من نيسان (ابريل) 2004 ، فقضينا وقتاً طويلاً حتي خرجنا إلي الطريق الدولي الذي يربط بين الأردن والعراق المعروف لدي العراقيين باسم طريق المرور السريع ، فهو أقرب الطرق التي يمكن أن ندخل منها إلي مدينة الفلوجة، وعادة ما كنت أذهب إلي المدينة منه في زياراتي السابقة، لكن الطريق بدا طويلاً هذه المرة وكأنه لا نهاية له.
كان فريق الجزيرة يتكوَّن مني ومن الزميل حامد حديد والمصوِّرين ليث مشتاق وحسان وليد، ومهندس الاتصالات سيف الدين محمد، وسائقين هما عبد العزيز إبراهيم الذي كنا نناديه طوال الوقت بأبي عمر، وسائق سيارة الستلايت وكان اسمه فرقد.
ما إن اقتربنا من مفرق الفلوجة علي طريق المرور السريع حتي وجدنا عشرات الشاحنات والسيارات المدنية تصطف علي جانبي الطريق، لكننا لم نتوقف وواصلنا السير حتي وصلنا قرب مفرق الفلوجة، فوجدنا السيارات متوقفة علي بعد ما يزيد علي ثلاثمئة متر من حواجز إسمنتية تسد الطريق، وتقف عليها قوات أمريكية.
كانت السيارة التي ترافقنا وتحمل جهاز البث مميزة بطبق الإرسال علي سطحها بما يشير إلي أننا فريق تليفزيوني، فتقدمنا وأصبحت سيارتنا في مقدمة السيارات التي تصطف علي جانبي الطريق ولم يكن في مواجهتنا سوي القوات الأمريكية والحواجز الاسمنتية التي أغلقت بها الطريق، لكنها كانت علي بعد حوالي ثلاثمئة متر.
نزلنا من السيارتين وبدأنا نستكشف الموقف، فسألنا بداية أصحاب السيارات والشاحنات المتوقفين عن ظروف إغلاق الطريق، قال بعضهم إنه يقف منذ منتصف الليلة الماضية علي أمل أن يفتح الطريق لكن القوات الأمريكية لا تسمح لأحد بالمرور سواء القادمين من بغداد في طريقهم إلي الفلوجة أو حتي إلي الأردن وسورية، أو القادمين من الأردن وسورية في طريقهم إلي بغداد.
طلبت من الزملاء أن يبقوا إلي جوار السيارتين علي أن يأتي معي ليث بالكاميرا ونذهب إلي الجنود الأمريكيين لنتحدث ونتفاوض معهم، ونحاول أن نقنعهم أن يسمحوا لنا بالمرور.
كانت مسافة الثلاثمئة متر التي قطعتها متجهاً صوب الجنود الأمريكيين الذين كانوا يشهرون أسلحتهم تجاهنا وفي حالة تحفز واستعداد مسافة طويلة للغاية، وبدت وكأنها ثلاثمئة كيلو متر وليس ثلاثمئة متر، ولم يكن سوانا أنا وليث قد تجرأ وقرر أن يذهب للأمريكيين ليتحدث إليهم، فالكل كان يقف علي مسافة بعيدة ولا يدري ما الذي يحدث وماذا يفعل، ولم يكن أحد يجرؤ علي التقدم، وكنت أراعي وأنا أقترب شيئاً فشيئاً من الجنود الأمريكيين أن أسير ويداي بجواري وأن تكون مشيتي طبيعية لا تبعث علي أدني ريبة، لأنه في الوقت الذي كان بعضهم يشهر الأسلحة تجاهنا كان آخرون يدققون عبر المناظير المكبرة في كل تفاصيل أجسادنا وحركتنا وما نحمل، ولهذا طلبت من ليث أن يظهر أن في يده كاميرا تليفزيونية، وكان يمشي خلفي بعدة خطوات حيث كان ليث كما عهدته دائماً ذكياً ولماحاً إلي حد بعيد فحفظ مسافة بيني وبينه، وفتح الكاميرا للتسجيل بعدما أطفأ اللمبة الحمراء التي تشير إلي ذلك، وصور المشهد كاملاً.حينما اقتربت من الجندي كنت أحمل في يدي هويتي الصحافية التي كنت قد استخرجتها سابقاً من المركز الصحافي الذي أقامته القوات الأمريكية في المنطقة الخضراء، والتي كان يسمح لي بمقتضاها بالتحرك في أنحاء العراق، وكانت هذه الهوية تشير إلي أني أعمل في التغطية التليفزيونية لصالح قناة الجزيرة الفضائية .
وكانت القوات الأمريكية قد اشترطت علي كل الصحافيين العاملين في العراق في ذلك الوقت ضرورة استخراج تلك الهوية حتي يسمح لهم بالعمل والتحرك في أنحاء العراق، فقمت باستخراجها فور وصولي إلي بغداد حتي تسهل لي تحركاتي بين نقاط التفتيش الأمريكية التي كانت تملأ الشوارع والطرق في بغداد وشتي أنحاء العراق.
اطلع الجندي الأمريكي علي هويتي الصحافية ـ وكان واضحاً أنه قائد سرية وليس مجرد جندي، فقد كان يصدر الأوامر لكل من حوله، كما كان علي اتصال عبر جهاز لاسلكي يحمله بقيادته ـ ثم سألني بحزم بعدما عرّفته بنفسي قائلاً: وماذا تريد؟ قلت له ببساطة شديدة: نحن فريق تلفزيوني تابع لقناة الجزيرة، ونريد أن تسمحوا لنا بالدخول إلي مدينة الفلوجة؟ قال: الطريق مغلق إلي الفلوجة وغير مسموح لأحد بالدخول . قلت له: ربما لا تسمحون للناس العاديين ولكننا صحافيون ومن حقنا أن ندخل حتي ننقل للناس ما يجري داخل المدينة؟ قال: القرار ليس لك أو لي في هذه المسألة ولكن يجب أن أرفع الأمر إلي القائد .
قلت له: لا بأس ارفعه للقائد . قال: انتظر هنا ولا تتقدم حتي آتيك بالرد .شعرت كأننا أول فريق تليفزيوني يأتي ويطلب الدخول للمدينة، وإلا لو كان سبقنا أحد لأخبرنا قائد الحاجز الأمريكي أنه غير مسموح لأحد بالمرور حتي الصحافيين، لكن طلبه منا الانتظار أعطي دليلاً علي أنه ربما كنا أول فريق تليفزيوني يطلب الدخول إلي المدينة التي كان واضحاً أنها حوصرت وقطعت كل الطرق المؤدية إليها من القوات الأمريكية.
وقفت إلي جوار ليث وكنا نرقب الوضع الذي بدا متوتراً إلي حد بعيد، فقد كان صوت الضباط يأتي واضحاً عبر جهاز الاتصال الذي يحمله قائد الحاجز فكان كله أوامر وصراخ بصوت مرتفع، لم أستطع تمييز كثير منها لأن قائد الحاجز لم يكن يقف إلي جوارنا بل كان يتحرك هنا وهناك طوال الوقت.
في هذه الأثناء وصلت سيارتان من سيارات الدفع الرباعي إلي حيث كنا نقف، فقلت في نفسي: ما الذي جرأ هؤلاء علي أن يأتوا بالسيارات إلي هنا؟ ، ولكن سرعان ما فهمت، فقد كانوا من المرتزقة الذين يعملون مع القوات الأمريكية وهؤلاء كانت تفتح لهم كل الطرق المغلقة.
كانت كل سيارة بها أربعة منهم وكانوا حليقي الرؤوس ووجوههم قاسية الملامح، ويرتدون ملابس مدنية عليها دروع مضادة للرصاص ويحملون بنادق آلية أمريكية من طراز إم 16 ، وهذه ملامح عامة كان يتصف بها معظم المرتزقة الذين يعملون في العراق مع القوات الأمريكية.
توجه أحدهم إلي قائد الحاجز الذي تحدثت معه وكان يحمل ورقة فأعطاه إياها وتحدث معه بالإنكليزية بلهجة تشير إلي أنهم أمريكيون، ثم رجع إلي السيارة وجلس في المقعد الأمامي حيث كان، بينما نزل من كل سيارة اثنان وأخذا يدوران حولها فيما بدا أنها عملية تأمين لزملائهم داخل كل سيارة، وكان كل منهما يحمل سلاحه في وضع الاستعداد لكن فوهات البنادق كانت موجهة للأرض.أخذت أسترق النظر إليهم وإلي السيارتين، فوجدت أنهم باستثناء أحدهم الذي كان جسمه رياضياً ونحيلاً ويبدو أنه كان قائد المجموعة كان السبعة الآخرون أصحاب أجساد رياضية قوية، أما السيارات التي كان يبدو أنها حديثة وجديدة فكانت تحمل لوحات زرقاء خاصة لإمارة خليجية.
علي امتداد البصر علي جانبي الطريق كنت أري شاحنات وسيارات صغيرة تسلك الطرق الترابية في محاولة للبحث عن طرق بديلة تُسلك بها الطريق إلي مدينة الفلوجة أو تلتف علي طريق المرور السريع حتي تواصل الطريق إلي الأردن، فكان الغبار علي امتداد البصر كثيفاً مع خطوط السير التي سلكتها السيارات في الطرق الصحراوية البعيدة.
وبعد حوالي عشرين دقيقة من الانتظار جاء الرد وكان طبيعياً أن يكون بالرفض. وحينما حاولت النقاش مع قائد الحاجز الذي أشهد أنه تعامل معي بأدب واحترام، قال لي: ليس من صلاحياتي أن أفعل شيئاً في هذه المسألة، لقد رفعت طلبك إلي القائد فرفعه إلي قائده بنفس التفصيلات التي ذكرتها أنت مع كامل بياناتك وبيانات المحطة التليفزيونية التي تمثلها وجاءني الرد بالرفض، نحن في حالة طوارئ، وحتي تعلم أن الأمر صعب جداً، فهؤلاء ـ وأشار إلي المرتزقة ـ متعاقدون مع الحكومة الأمريكية ولديهم تصريح بالمرور من أي نقطة عسكرية، ومع ذلك فقد جاء الرد بالرفض لهم مثلك .قلت له وأنا أحاول الاستفادة من أدبه معي والتعرف علي أي معلومة قد تفيدني: هل الطرق إلي الفلوجة كلها مغلقة أم هذا الطريق فقط؟ .
قال: ما أعرفه هو ما أقوم به من إغلاق هذا الطريق، ويمكنك البحث عن طرق أخري، لكن ما أؤكده لك أن المدينة محاصرة . قلت له: طلب أخير؟ هل يمكن أن تسمح لنا أن نفتح طبق الإرسال في سيارتنا هذه التي تراها هناك وأن نرسل رسالة مصورة إلي محطتنا التليفزيونية عن الوضع هنا . قال وقد تغيرت لهجته قليلاً: هذه منطقة عسكرية مغلقة وغير مسموح لكم بالتصوير وعليك الانسحاب أنت وفريقك التليفزيوني منها وعدم التصوير هنا .
شعرت أنه لا فائدة من إطالة النقاش أكثر من ذلك مع قائد الحاجز العسكري الأمريكي، كما أنه كان مشغولاً والأوامر تأتيه تباعاً من قائده، كما كان يبلغ قائده بكل ما يستجد أمامه، وكان الوضع يبدو متوتراً إلي حد بعيد، كما أن حواري معه لم يكن متواصلاً بل كان يذهب ويأتي ويتحدث مع قائده ومع زملائه وكذلك مع المرتزقة الذين بدوا غير مقتنعين بالرد الذي جاءهم بالرفض، رغم أنهم كانوا يعملون مع القوات الأمريكية كما أخبرني القائد الأمريكي علي الحاجز.
وفي الوقت الذي قررنا فيه العودة بقي المرتزقة يبذلون محاولة أخري ويجرون بعض الاتصالات من سياراتهم التي بدا أنها كانت مجهَّزة بشكل عالي المستوي بقيادتهم، قلت للزميل ليث: هيا نعود. وفي طريق العودة إلي زملائنا كنت أفكر طوال الوقت في البديل ماذا سنفعل؟ أثلج ليث صدري حينما أبلغني ونحن في طريق عودتنا إلي السيارتين والزملاء الذين كانوا في انتظارنا، أن الكاميرا كانت تصور طوال الوقت كل شيء حتي الحوار الكامل بيني وبين الضابط الأمريكي وكذلك لافتات الطريق السريع التي تشير إلي مفرق الفلوجة.
وهكذا كان ليث طوال الرحلة يعرف ما يجب أن يفعله دون حاجة إلي توجيه دائم مني، فقد كان لديه إحساس عال بالصورة وبالحدث. رجعنا حيث كان حامد وباقي الزملاء ينتظرون، وأخبرت حامداً بما حدث، وقلت له: أنت من أهل الفلوجة يا حامد، ولا بد أنك تعرف كل الطرق المؤدية إلي المدينة لا سيما الطرق الزراعية والترابية وأرجو أن تخبرنا بكل الطرق لنحاول الدخول من أي منها لأننا لن نتراجع عن دخول المدينة إلا إذا وجدنا كل الطرق مغلقة، لذلك سوف نسلك كل الطرق إلي أن نجد باباً مفتوحاً للدخول.
وجدت حماسة من حامد ومن جميع الزملاء، وقال حامد: هناك عدة طرق أخري غير هذا الطريق، وعدَّد لنا أكثر من خمس طرق منها الطريق القديم أبو غريب ـ خان ضاري، وعامرية الفلوجة، وطريق سدة الفلوجة الذي يقع علي نهر الفرات، قلت له: لا نريد استخدام طرق معروفة ولكن ابحث لنا عن أقل الطرق استخداماً، ويفضل أن يكون طريقا زراعياً غير مطروق فربما قامت القوات الأمريكية بإغلاق الطرق الرئيسية وتركت الطرق الزراعية مفتوحة فنجد من أحدها منفذاً .
قال حامد: إذن نجرب طريق النعيمية فهو من الطرق التي لا يعرفها إلا أهل الفلوجة والمناطق المجاورة لها ويدخل المدينة من جهتها الجنوبية عبر حي الشهداء . ويُعرف هذا الطريق أيضاً باسم طريق المشروع ، وهذا المشروع هو أحد روافد المياه المتفرعة من نهر الفرات والتي تتجه من الفلوجة صوب أبو غريب.

ليست هناك تعليقات: