آخر المقالات

الأربعاء، 3 أكتوبر، 2007

معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق -10





احمد منصور يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق -10

2004/4/9

أكثر الأيام دموية وألما في حياة أطفال الفلوجةامريكا تستهدف قناة الجزيرة باعتبارها احد أسباب استمرار القتال
03/10/2007



يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق. و القدس العربي تنفرد بنشر فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حولتها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام .القدس العربي


منقول من القدس العربي
03.10.2007






كان يوم الجمعة الدامي التاسع من نيسان (ابريل) 2004 من أكثر الأيام دموية وألماً في حياة أطفال الفلوجة، كانت الصورة الأولي التي آلمتني هي صور الأطفال الصغار الذين خرجوا مع عائلاتهم في جموع كبيرة يرفعون الاعلام البيضاء يطلبون الأمن والأمان ليخرجوا من المدينة عبر صحراء النعيمية، ثم رأيت أشلاء بعضهم بعد ذلك وقد جاءت بها سيارات الإسعاف إلي المستشفي بعدما قصفتهم الطائرات الأمريكية وهم يحاولون عبور الطريق المكشوف سيراً علي الأقدام لكن الموت الذي هربوا منه عاجلهم في طريق الهروب.

صورة الألم

أما الصورة الأكثر ألماً والتي مزقتني فقد كانت لعائلة تتكون من جدة عجوز مسنة ومعها زوجة ابنها وأحفادها، كانت تقف علي جانب الطريق في الزحام تبحث عن سيارة تنقلها وأحفادها إلي خارج المدينة، لكن كل السيارات كانت ممتلئة والزحام علي أشده ولا يقوي علي الحصول علي مكان في سيارة من تلك السيارات المكشوفة النقل ونصف النقل إلا الأقوياء من الناس، والمرأة كانت هرمة، ناديت ليثاً أن يقوم بتصوير تلك العائلة، لكن ليثاً لم يقم بتصويرهم فحسب بل تعاطف معهم، وحينما جاءت سيارة نقل وتزاحم عليها الناس رق قلبه فقام بمساعدة هذه العجوز وأحفادها حتي تركب علي ظهر سيارة النقل مع عشرات من النساء والأطفال والعجائز الذين كانوا يفرون من الموت، وانطلقت السيارة مع عشرات السيارات الأخري في اتجاه النعيمية للخروج من دائرة الموت في الفلوجة، لكن صورة هذه المرأة التي ترك كل يوم عاشته في الحياة أثراً علي وجهها لم أنسه.
انشغلت بعد ذلك في الأهوال التي كانت تحيط بي لكني بعد ما يقرب من ساعتين رأيت سيارة ميكروباص سوداء لا زلت أذكر لونها جاءت مسرعة إلي المستشفي وكنت وقتها علي الهواء مباشرة مع الجزيرة ولكن عبر الهاتف، لأننا لم نكن قد تمكنا من تشغيل جهاز البث بعد، وكنت أصف للمشاهدين عبر الهاتف بعضاً مما يدور حولنا من أهوال، وحينما جاءت هذه السيارة مسرعة أدركت أن فيها بعض المصابين، فناديت ليثاً أن يأتي مسرعاً لتصوير من فيها، وقمت أنا بفتح الباب الأوسط للسيارة الميكروباص بمجرد وقوفها حتي يقوم ليث بالتصوير قبل أن يزدحم الناس وأنا أتوقع أنها كانت تحمل بعض الجرحي؛ لكني صرخت من هول ما رأيت يا ألله.... يا ألله... رحمتك يا ألله ، لقد كانت جثة المرأة العجوز وأحفادها الصغار أشلاء متكدسة فوق بعضها داخل السيارة، إنها العجوز....إنها هي التي ساعدها ليث قبل ساعتين حتي تهرب من الموت مع أحفادها، لكن الموت كان بانتظارهم هناك عند مخرج .
فقد قصفتهم الطائرات الأمريكية عند مخرج النعيمية، لكن وجه واحدة من الأطفال كان مغطي بعضه بالدماء الممزوج بالتراب جعلني أصرخ وأبكي كما أبكي الآن وأنا أسطر هذه السطور ألماً من هذه الصورة المؤلمة والمرعبة التي أجدها دائماً في مخيلتي، وأبكي كلما تذكرتها.
تجمع الناس ومن هول ما رأوا أخذوا يهتفون بعبارات سمعها الجميع عبر شاشة الجزيرة علي الهواء مباشرة من خلال الهاتف الذي كان في يدي لا إله إلا الله.... أمريكا عدو الله .
وكان معي الزميل محمد كريشان علي الهاتف الذي سمعته وأنا أشاهد شريط البث بعد ذلك، وهو يقول لي: هل تسمعني يا أحمد ؟ ثم علَّق: يبدو أن أحمد ترك الميكروفون للمتظاهرين حوله .
لقد كنت أبكي من هول ما رأيت وما كنت أريد أن يسمع أحد صوتي، لم أحتمل المشهد الذي كان مؤلماً لا سيما الأطفال وأشلاءهم الممزقة، وأتحدَّي أن يحتمل أي شخص لديه ذرَّة من الإنسانية أن يري مثل ذاك المشهد ولا يبكي، بل رأيت بعض الرجال ممن ساعدوا في إنزال الجثث من السيارة يصرخون من الألم.
كنت أريد أن ألملم شتات نفسي سريعاً حيث كنت علي الهواء، فقد كان المشهد مريعاً وبشعاً ومخيفاً ومؤلماً، لا سيما وأن أغلب الضحايا كانوا من الأطفال، علاوة علي العجوز التي لا زلت أذكر شيئاً من ملامح وجهها الذي تركت الأيام التي عاشتها خطوطها وآثارها عليه، حيث اننا ساعدناها حتي تهرب من الموت لكنها كانت في طريقها إليه هي وأحفادها دون أن تدري، وأنا أتعجب دائماً كيف أن بعض المشاهد في حياتنا رغم أن عمرها الزمني لا يكون إلا ثواني لكنها تبقي في مخيلتنا باقي العمر ولا تزول، وكلما تراءت لنا تتراءي لنا بكل الظروف والملابسات والملامح المحيطة بها.

جراحات علي الطرقات

في هذا اليوم... الجمعة الدامي 9 نيسان (ابريل) 2004 حينما رأيت عند المستشفي هذه الطفلة التي كانت تبكي وهي حائرة ضائعة تبحث عن أهلها وكان الناس كلهم ضائعين في تلك اللحظات... رأيت صورة ابنتي رهام في وجهها، وأنا الغريب لا أدري ماذا أفعل لها. كانت تنادي أمها، ولا أدري أين كانت أمها في هذه المتاهة والضياع، صرخت بأعلي صوتي علي ليث وحسين كاميرا... كاميرا حتي يسمع صوتي أحدهم فيأتي ليصورها بوجهها المذعور ولهفتها وضياعها وبكائها، ولكن أي كاميرا؟
أمسكت الطفلة بيدي وأنا أحاول أن أهدئها وأذهب بعض الخوف عنها، ثم قلت لأحد المسعفين: أرجو أن تأخذها وتساعدها للبحث عن أهلها. فأخذها واختفت عن عيني، لكني شعرت أنها أخذت جانباً من نفسي، حتي إني بقيت طوال اليوم أفكر فيها هل وجدت أهلها؟ وهل لا زالت حية أم حصدها الموت مع من حصد في ذلك اليوم؟
أما المستشفي فكلما دخلت إليها أفزعتني مشاهد الأطفال الذين لم يكونوا يكفون عن الصراخ، وقد رأيت الأطباء يجرون لبعضهم العمليات الجراحية لإنقاذ حياتهم هكذا في الطرقات، لأن المستشفي كانت عبارة عن عيادة غير مجهَّزة علي الإطلاق لمثل هذه الحالات، وكانت رائحة الجروح والدماء والموت تغطي المكان كله، وفي هذه الأجواء كثيراً ما كنت أبحث عن مكان لا يراني فيه أحد، لا أفعل فيه شيئاً سوي أن أجهش بالبكاء من هول ما كنت أري، ربما يذهب البكاء شيئاً من الصراخ والألم الذي كان يعتصرني، ثم أجفِّف دمعي الذي كان يأخذ معه بعض الضغوط والآلام التي كانت تمزق كياني وأحاول العودة لطبيعتي حتي أمارس ، فأنا في النهاية يجب أن أكون رابط الجأش رغم كل ما أري، حتي أستطيع أن أواصل نقل مآسي أهل الفلوجة إلي العالم من جديد.بقيت أعاني مع الأطفال طوال أيامي في الفلوجة من أول لحظة إلي آخر لحظة، فقبل منتصف الليل في تلك الليلة وقبل أن أذهب لأرتاح قليلاً مررت بالمستشفي فسألتهم إن كانت هناك حالات جديدة، فقالوا هذه عائلة من ثلاثة أجيال جد وعم وطفل، فأبي اليوم أن ينتهي دون أن أعيش مع أطفال الفلوجة معاناتهم منذ أن أصبحت إلي أن أمسيت.
وفي اليوم التالي العاشر من نيسان (ابريل) وفي آخر زيارة لي إلي المستشفي كان هناك العديد من الشهداء والجرحي الجدد من الأطفال، وقد رأيت وجه طفلة شهيدة كانت مغطاة وينتظرون تكفينها حتي يذهبوا بها إلي المقبرة، لذلك فإن حجم المعاناة النفسية التي كنت أعانيها من خلال معاناة أطفال الفلوجة كانت كبيرة، ويكفي أن تتخيل للحظة واحدة أن هذا الطفل الذي يعاني هو ابنك أو ابنتك حتي تدرك كم كانت المحنة أليمة.

سينما الواقع

بعدما أخذ المسعف تلك الطفلة التي رأيت فيها وجه صغيرتي رهام ليساعدها في البحث عن أهلها، شعرت أني لو تركت نفسي لما أري وأشاهد فسوف أفقد السيطرة علي نفسي ثم علي ما حولي، ورغم أني شاهدت مآسي كثيرة في تغطيتي للحروب في أفغانستان والبوسنة والهرسك من قبل، إلا أن ما شاهدته في الفلوجة كان له طابع خاص لا سيما في يوم الجمعة الدامي، وضعت رأسي بين يدي حتي أستطيع أن أهديء من روعي وأجمع شتات نفسي وأقود فريق العمل بشكل أفضل، لا سيما وأنه كان أمامي يوم طويل مليء بالعناء وبحاجة إلي حسن التخطيط والإدارة حتي نستطيع أن ننقل هذا الواقع المؤلم إلي الناس.
قلت لليث وحسان: أرجو أن تحاولا تصوير كل ما تستطيعان من هذه المشاهد أما أنا فسوف أذهب مع حامد للبحث عن مكان يمكن أن يقوم فيه سيف بوضع جهاز البث لأننا يجب أن نرسل هذه الصور فوراً إلي الدوحة.فجأة تلفّتّ حولي فلم أجد حقيبة يدي ولا حقيبة ملابسي، وكان في حقيبة يدي كل ما أحتاجه، علاوة علي جهاز الكومبيوتر والكاميرا الصغيرة، ولا أدري أين ذهبت في الزحام كما أن أغراضنا التي كنا وضعناها إلي جوار أحد الحوائط لا أدري أين ذهبت هي الأخري.
قلت لحامد الذي كان يحاول مع المهندس سيف البحث عن مكان لوضع جهاز البث: لا أجد حقيبتي ولا أدري أين ذهبت، لقد كانت في يدي. لكني في تلك اللحظات التي عشنا فيها الأهوال الأولي للموقف شعرت أن تركيزي كان مشتتاً ورغم أن هذا الأمر لم يستغرق سوي لحظات جمعت بعدها شتات نفسي إلا أن هذه اللحظات نفسها هي التي ضاعت فيها الحقيبة.وبينما كنت أتكلم مع حامد وجدت شخصاً يرتدي ملابس المسعفين يقول لي: حينما وجدتك مشغولاً بعملك، أنا أخذت حقيبتك وحفظتها لك في هذا المبني في مقر الحزب الإسلامي . قلت له: أرجو أن تأتي معي لإحضارها فأنا أريد بعض الأغراض منها . كان المبني عبارة عن سينما يفصل بينها وبين المستشفي الميداني قطعة أرض فضاء كان بها سيارة الإسعاف التي قصفتها القوات الأمريكية في حي نزال، وكان بها بعض المساعدات التي جاء بها الهلال الأحمر. لكني حينما دخلت إلي مقر الحزب الإسلامي الذي كان عبارة عن سينما في السابق هالني ما رأيت، لقد كان هناك عشرات الجرحي ممدَّدين علي أسرَّة موضوعة علي المسرح وفي الأرضيات، ورائحة الجروح والدماء تغالبها رائحة المواد المطهرة تزكم الأنوف، فالمكان غير صحي علي الإطلاق وقد كانوا يتغلبون علي ذلك بالمواد المطهرة، كما أن المستشفي الميداني ضاق بالجرحي ولا يعرفون أين يذهبون بهم، فكان هذا امتداداً للمستشفي الميداني.تأكدت بعد ذلك من وجود الحقيبة ثم تركتها هناك في إحدي المكاتب فأنا لا أستطيع حملها طوال الوقت وأريد أن أتفرغ لوضع استراتيجية عمل للفريق في هذا اليوم العصيب.

مشاكل الميدان

بدأت بعد ذلك أدرك بعضاً مما حولي، وأرسم خريطة ذهنية للمكان، فقد كان هناك بعض الباصات وسيارات الإسعاف التي تمكنت من دخول المدينة أمس الخميس 8 نيسان (ابريل)، وأبلغني الدكتور رافع العيساوي مدير المستشفي أن كثيراً من الحالات الحرجة من الجرحي لا سيما إصابات الرأس تم نقلها أمس إلي بغداد وحالات أخري نقلت في الصباح الباكر علاوة علي حالات يتم تجهيزها الآن حتي يتم نقلها.
تدارست الأمور مع الزملاء واتفقنا أن أفضل مكان نعمل من خلاله هو تواجدنا هنا إلي جوار المستشفي الميداني، فهو يقع في قلب المدينة تقريباً، ويعتبر أهم مصدر للأخبار والمعلومات، علاوة علي أننا بحاجة إلي مكان فيه كهرباء من أجل عمل جهاز البث، مع احتمالات نقص البنزين أو تعطل مولد الكهرباء.
تكلمنا مع الدكتور رافع العيساوي أن نضع جهاز البث فوق المستشفي فلم يمانع، وبدأ سيف يعد الجهاز للعمل، بينما اجتمعت بالزملاء في جانب من ساحة المكان ووضعنا استراتيجية سريعة للعمل بعدما انضم إلينا عبد العظيم وحسين دلي، يقوم خلالها عبد العظيم وحسين دلي بالتحرك حيث تتحرك سيارات الإسعاف التي تتوجه إلي أماكن القصف فيقومون بتصويرها وجمع معلومات من تلك الأماكن، وعمل تقارير إخبارية للبث علي مدار اليوم عن الأحداث، فنكون بذلك علي اطلاع وثيق بكل أماكن المدينة التي تتعرض للقصف، ونعد أكثر من تقرير يبث مع التغطية المباشرة.
أما حامد فيكون هو منسق فريق العمل بيننا وبين الدوحة، إلي جانب قيامه بجمع المعلومات من فريق العمل الذي يتعاون معنا في كل مناطق الأنبار كما كنا نعمل في الأيام السابقة، علاوة علي الذين يتعاونون معنا من أطراف المدينة وبعض أماكن قضاء الفلوجة والذين نجحنا في ترتيب علاقات معهم خلال الأيام الماضية.
ويقوم الجميع بإمدادي بكل هذه المعلومات التي أضيف إليها المعلومات التي كان عليَّ جمعها من المستشفي سواء من الأطباء أو الجرحي أو الفرق الطبية المساعدة أو فرق الإغاثة التي جاءت للمستشفي، حيث كان عليَّ أن أطوف علي كل هؤلاء وأن أحصل علي كل ما هو جديد، وقد فرض عليَّ هذا الأمر البقاء بين الأطباء والجرحي وجثث الشهداء التي كانت تأتي إلي المستشفي لجمع المعلومات منهم طوال الفترات التي لا أكون فيها علي الهواء، ثم أقوم بتنسيق وترتيب كل هذه المعلومات للبث المباشر الذي كان من المفترض أن نشارك فيه بمجرد تركيب وتشغيل جهاز البث.
وعلاوة علي ذلك رتبت مع حامد أن نقوم باستضافة بعض وجهاء المدينة والمسؤولين عن العمل الإغاثي فيها إن استطعنا.أما ليث وحسان فيقومان بعملهما في التصوير، أما أبو عمر السائق فقلت له أن يكون مساعداً لكل من المهندس سيف والمصورين ليث وحسان، وأبلغت الزملاء في غرفة الأخبار في الدوحة أن منسق الفريق هو حامد وعليهم أن يتصلوا به إذا احتاجوا شيئاً وليس بأي شخص آخر حتي يكون العمل منظماً ويتلقي الفريق أوامر العمل من جهة واحدة، وانطلق كل منا ليقوم بعمله انتظاراً لإعداد الجهاز للبث.
دخلت إلي المستشفي لأجمع المعلومات من الأطباء والجرحي وعائلات الشهداء، وانطلق عبد العظيم وحسين دلي لتصوير المناطق المنكوبة حينما تذهب سيارات الإسعاف إليها، وأخذ حامد يجمع معلوماته، وسيف يرتب الجهاز للبث... لكن المشكلة وقعت، فجهاز البث لم يعمل.
اتصل الزملاء من الدوحة عدة مرات حتي أشارك في التغطية المباشرة والخاصة التي أعدتها قناة الجزيرة في ذلك اليوم التاسع من نيسان (ابريل) 2004 بمناسبة الذكري الأولي لاحتلال العراق والتي بدأت في التاسعة صباحاً، لكن جهاز البث لم يكن يعمل، وكنت حريصاً علي ألا يعمل سيف في أي جو من التوتر، فلم يكن الجهاز يرسل أي إشارة للدوحة علي الإطلاق، وبقي سيف ما يقرب من ثلاث ساعات يحاول تشغيل الجهاز دون جدوي.
في هذه الأثناء شاركت عبر الهاتف عدة مرات مع الزميل محمد كريشان الذي كان في بغداد، ومع عبد القادر عياض أيضاً الذي كان يشارك كريشان من بغداد، وأعتقد أن المشاركة الأولي كانت في نشرة التاسعة صباحاً من الدوحة، وقد أعطيت في هذه المداخلات وصفاً لأهوال الصباح في هذا اليوم ورغم محاولاتي التعبير بالوصف عما كان يحدث، إلا أن الصورة كانت أبلغ مئات المرات من أي تعبير وصفي.في النهاية قال سيف: الجهاز لن يعمل من هنا يا أحمد فالمكان منخفض للغاية، ويجب أن يكون الجهاز في مكان مرتفع وغير محاط بمبان مرتفعة مثل هذا المبني الذي كان أمام المستشفي الميداني.
كانت العيادة الشعبية التي كان يقع فيها المستشفي الميداني عبارة عن مبني من طابق واحد وفي مكان منخفض، وكانت أمامه عمارة مكوَّنة من ثلاثة طوابق كانت أعلي المباني في المنطقة وكانت عبارة عن عيادات طبية خاصة، فقال ليث وهو يشير إليها: هذا هو أفضل مكان يعمل من فوقه جهاز البث. قلت له: جيد ولكن أين صاحبها حتي نستأذن منه، إننا في النهاية يجب أن نصعد علي سطحها لنضع عليها الأجهزة.
قلت لحامد: أنت من أهل المدينة وعليك أن تبحث لنا عن صاحبها وتستأذنه حتي يسمح لنا. أخذ حامد يسأل بعض الناس لكن الناس كانت ضائعة في ذلك اليوم، ولم يكن أحد يملك يقظة ذهنية حتي يرد علي مثل هذا السؤال.في النهاية قلت لهم: ما رأيك يا حامد أن ننقل الأجهزة إلي أعلي المبني ونقوم بتشغيلها وإذا جاء أحد واعترض أو طلب منا أن نغادر البناية نغادرها لكني أعتقد أنك بعلاقتك مع أهل المنطقة يمكن أن تحل الأمور.

وقف نار بشرط

خروج فريق الجزيرة

لم نكن في ذلك اليوم نشاهد قناة الجزيرة أو أي تليفزيون آخر، ولم أكن أدري أن الجزيرة قد بثت خبراً عاجلاً من الصباح الباكر من مصادرها في بغداد أن الإدارة الأمريكية طالبت بخروج فريق الجزيرة من مدينة الفلوجة كشرط أساسي لقرار وقف إطلاق النار الذي أعلنه الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر من جانب واحد ابتداء من الساعة الثانية عشرة ظهر هذا اليوم.
ولم يكن الإعلان الأمريكي عن وقف إطلاق النار في هذا اليوم من أجل العراقيين أو سكان الفلوجة الذين كانوا يقصفون وتهدم عليهم بيوتهم أو تقوم طائرات إف 16 والطائرات المروحية باصطياد الهاربين من الموت منهم خارج المدينة، وإنما كان من أجل إنقاذ القوات الأمريكية التي كانت تحاصر الفلوجة والتي أصبحت محاصرة بعد قطع الإمدادات عنها والسيطرة علي الطرق المؤدية إليها من قبل المقاومة.
فقد تمكن الزملاء في قناة الجزيرة من تصوير عشرات الشاحنات التي كانت تحمل الإمدادات للقوات الأمريكية وهي تحترق علي طول طريق أبو غريب الفلوجة، كما أن طريق ذراع دجلة البالغ طوله مئة وخمسين كيلو متراً وهو الطريق البديل للطريق الدولي السريع الذي يربط بين بغداد وعمان ودمشق أصبح تحت سيطرة المقاومة.
ونشرت وكالة الأنباء الفرنسية تقريراً في هذا اليوم 9 نيسان (ابريل) 2004 يؤكد علي أن مئات المسلحين العراقيين بالبنادق الرشاشة والقذائف المضادة للدروع قد تمكنوا من السيطرة علي الطريق الذي يصل أبو غريب مع الفلوجة غرب بغداد . وأكد التقرير علي أن الرمايات كانت كثيفة علي مسافة خمسة عشر كيلو متراً من الفلوجة . ونقل عن أحد المقاتلين قوله: قولوا للعالم إنه ليس لدينا بديل سوي الموت أو النصر .
ونقلت عن آخر كان يحمل رشاشاً ويحمس المقاتلين قائلاً لهم: اعلموا أن سكان الفلوجة يشدون علي أياديكم ويطلبون منكم السيطرة علي الطريق ما استطعتم .في هذا اليوم الجمعة 9 نيسان (ابريل) 2004 أُعلن عن صلاة جمعة موحدة في كل المساجد بين السنة والشيعة في العراق، وربما كانت هذه هي المرة الأولي والأخيرة التي يحدث فيها ذلك، فقد وحدت معركة الفلوجة الجميع، وكانت معظم خطب الجمعة عن الفلوجة وما يحدث فيها، وأمَّ المصلين في جامع أم القري في بغداد الدكتور حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين الذي دعا أهل العراق إلي الاعتصام تضامناً مع الفلوجة وأهلها المحاصرين وقال: نهيب بجميع إخواننا أن يعتصموا يومي السبت والأحد وإذا أمكن الاثنين أيضاً حتي نظهر لقوات الاحتلال رفضنا لما يحدث في الفلوجة .
وتصاعد الغضب لدي الدكتور الضاري أثناء تأديته لخطبة صلاة الجمعة حتي دعا المصلين إلي الجهاد قائلاً: إلي الجهاد... إلي الجهاد.. إن معركة الفلوجة هي معركة التاريخ ومعركة العراق، وأحباؤكم في الفلوجة، يقاتلون ويرحبون بالموت والشهادة . ثم تضرع إلي الله بالدعاء قائلا: اللهم عليك بأمريكا وبريطانيا ومن والاهم، اللهم عليك بالكفر والكافرين والشرك والمشركين . وقد كانت معركة الفلوجة كما وصفها الدكتور الضاري بحق معركة التاريخ، ومعركة العراق لقد كانت بداية الهزيمة الكبري للقوات الأمريكية في العراق.

السنة مضطربون جدا

ووضع الشيعة سيء

لم يخل مسجد من المساجد من خطبة شبيهة، لذلك كان إعلان بريمر عن وقف إطلاق النار هو محاولة لإنقاذ القوات الأمريكية وليس كما قال في بيانه الذي تناقلته وكالات الأنباء في ذلك اليوم: تعليق العمليات العسكرية في العراق بهدف إتاحة عقد لقاء بين أعضاء من مجلس الحكم الانتقالي العراقي ومسؤولين من المدينة مع قادة قوات التحالف .وقال بريمر: خلال فترة التعليق هذه تحتفظ قوات التحالف بالحق في الدفاع عن نفسها وستبقي مستعدة تماماً لاستئناف العمليات الهجومية ما لم يحدث تقدم ملموس في المناقشات . وأضاف: إن تعليق العمليات العسكرية سوف يسمح للوزارات العراقية المختصة بتقديم المساعدات والإمدادات الأخري والسماح لسكان الفلوجة بتفقد قتلاهم وجرحاهم .
هذا الذي أدلي به بريمر إلي وكالات الأنباء لنقله في ذلك الحين وهو عبارة عن تضليل وأكاذيب لا سيما ما يتعلق بتقديم المساعدات والإمدادات الأخري والسماح لسكان الفلوجة بتفقد قتلاهم وجرحاهم لأنه كان يقول هذه الأكاذيب في الوقت الذي كانت فيه الطائرات الأمريكية تدك المدنيين الذين يحاولون الفرار من المدينة ـ كما سبق وأن ذكرت ـ كما قتلت في هذا الوقت وبعد صلاة الجمعة بعض الذين كانوا يقومون بعمليات تشييع لبعض الشهداء في المقبرة.
أما الواقع الحقيقي فقد كتبه بريمر بعد ذلك في مذكراته التي نشرها تحت عنوان عام قضيته في العراق ، في الصفحة 421 حيث قال: قبل اجتماع مجلس الأمن القومي في وقت متأخر من هذا اليوم الجمعة، اتصلت برايس لتحضير الرئيس للأخبار السيئة، قلت: الوضع في الفلوجة ليس جيداً، ونحن نحاول الإقدام علي خطوة من جانب واحد، ولكنها قد لا تنجح، السنة مضطربون جداً، وقد نواجه موجة من الاستقالات من المجلس، ووضع الشيعة سيء أيضاً .
إذن القضيـــــة كلهــــا كانت الوضع السيء الذي يعيشه الأمريكيون وليس أهل الفلوجة، ومن ثم فإني أكاد أجزم هنا ومن خلال متابعتي للوضع ومعايشتي له في ذلك الوقت أن الوفد الذي تحرك من قبل مجلس الحكم للتفاوض مع وجــــهاء الفلوجــــة، والذي أعلن عن تشكيله في هذا اليوم حقَّق مصالح قوات الاحتلال التي كانت تمــــر بموقف عصيب أكثر مما حقَّقَ مصالح أهل الفلــــوجة، الذين كان معظمهم إما خرجوا من المدينة تحت القصف أو يلملمون جراحهم وآلامهم داخل المدينة.
لكن العراق كله انتفض معهم ووضعت القوات الأمريـــــكية المحاصرة للمدينة تحت القصف والحصار، ولم يكن أمام الأمريكيين كما قال بريمر سوي الإقدام علي خـــطوة من جانب واحد وهي الإعلان عن وقف إطلاق النار لمحاولة امتصاص الغضب وإرسال الوفد للتفاوض من أجل كسب مزيد من الوقت، وتخـــــفيف الضغط عن قواته.
مفاوضات الحزب الاسلاميوهنا برز ممثلو الحزب الإسلامي في العراق الذي كان يشارك في مجلس الحكم، ورغم أن ممثل الحزب كان الدكتور محسن عبد الحميد إلا أن العضو الحقيقي كان حاجم الحسني الذي يبدو أنه كانت له علاقات خاصة مع الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر، فقد كان الحسني يحمل الجنسية الأمريكية ويتحدث الإنكليزية بطلاقة، وقد تحدث بريمر عن حاجم الحسني في كتابه عدة مرات لا سيما ما قام به الحسني في التفاوض حول الفلوجة.
ومع حاجم الحسني الذي كان يحمل الجنسية الأمريكية كان هناك إياد السامرائي الذي يحمل الجنسية البريطانية وكان كلاهما نائبين لمحســــن عبد الحميد وكلاهما كانا يتقنان اللغة الإنكليزية ويحملان الجنسية الأمريكية والبريطانية وجاءا من وراء البحار مثل كثيرين من الذين شاركوا في العملية السياسية في العراق.
وقد نقلت الوكالات تقارير في هذا اليوم مفادها أن كلاً من حاجم الحسني وإياد السامرائي نائبي عضو مجلس الحكم محسن عبد الحميد عقدا مباحثات مع الحاكم الأمريكي بول بريمر من أجل الاتفاق علي انسحاب القوات الأمريكية من مشارف الفلوجة وفك الحصار عنها .وأصدر الحزب الإسلامي بياناً في هذا اليوم قال فيه: نتيجة للجهود الحثيثة التي بذلها الحزب، وبعد الاتصالات والمفاوضات التي جرت وتجري مع الجهات الأمريكية المعنية، ولغاية صباح اليوم، تم الاتفاق علي إيقاف العمليات العسكرية المتبادلة في الفلوجة وما حولها اعتباراً من الثانية عشرة ولمدة 24 ساعة .
لكن نائب قائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال مارك كيميت خرج علي وسائل الإعلام نافياً ذلك وقال: لا يوجد اتفاق علي وقف إطلاق النار... لا اتفاق بين المتمردين وقوات التحالف . وأعلن الكولونيل برينان بيرن قائد الفرقة الأولي لقوات المارينز التي كانت تقود الحصار والهجوم علي الفلوجة: إن تعليق العمليات العسكرية انتهي، ولم يستغرق سوي تسعين دقيقة موضحاً أن رجاله تلقوا أوامر باستئناف العمليات الهجومية .
هذا في الوقت الذي رصدت فيه من علي سطح مبني مجمع العيادات الطبية الذي كنا نبث من فوقه علي الهواء مباشرة من مدينة الفلوجة في هذا اليوم، معارك حية دارت في حي الجولان بين رجال المقاومة وطائرات مروحية أمريكية واستمرت المعارك أكثر من ساعة، وقمنا بتغطيتها علي الهواء مباشرة، وحينما واجه الزميل محمد كريشان الجنرال مارك كيميت أثناء حوار أجراه معه وبث علي الهواء علي شاشة الجزيرة بأن هذا خرق لوقف إطلاق النار من قبل القوات الأمريكية قال كيميت: إن القوات الأمريكية كانت في حالة دفاع عن النفس وهذا يعكس حجم ومقدار التخبط الكبير الذي يحيط بالقوات الأمريكية والإدارة الأمريكية بشكل عام.
ومع تأكيدي في ذلك الوقت علي أن وقف إطلاق النار الذي أعلن من قبل القوات الأمريكية والذي أكد قائد الفرقة الأولي للمارينز الكولونيل برينان بيرن أنه استمر لمدة تسعين دقيقة، وتأكيد نائب قائد القوات الأمريكية أن خرق وقف إطلاق النار هذا كان للدفاع عن النفس، قامت القوات الأمريكية بعمليات هجومية قمنا بتصويرها علي الهواء وتقديمها للناس، كل ذلك لم يكن إلا لصالح القوات الأمريكية بالدرجة الأولي، لقد كان أهل الفلوجة في وضع مأساوي بكل المعايير لكن القوات الأمريكية كان وضعها أسوأ بكثير من كل النواحي.

بريمر يطالب بخروج

فريق الجزيرة من الفلوجة

كان أحد الشروط التي حملها أعضاء مجلس الحكم الذين أوكلهم بريمر بالتفاوض مع وجهاء الفلوجة هو إخراج فريق الجزيرة من المدينة، وقد سُرِّب الخبر وبثته قناة الجزيرة صباح ذلك اليوم، لكني لم أعلم به إلا حينما أبلغني به وضاح خنفر مساء ذلك اليوم كما سأذكر تفصيلاً فيما بعد.
وكان هذا الشرط الذي فرضته سلطات الاحتلال علي سكان المدينة هو بداية للضغوط المباشرة علينا لإخراجنا من المدينة.وقد تعرض بريمر في مذكراته لنا عدة مرات، حيث قال في الصفحة 407 : لكن تليفزيون الجزيرة كان يعرض فيلماً لما يزعم بأنهم مدنيون غير مسلحين قتلوا في الفلوجة .
ويقول في الصفحة 411 : تقدمت فرقة المارينز الأولي في الفلوجة، وواجهت مواقع دفاعية في العمق مزودة بمدافع رشاشة ومدافع هاون ويحميها المسلحون والقناصة، كان العدو يقاتل من المدارس والمستشفيات والشقق السكنية والمساجد، مثلما فعلت قوات صدام، وفيما ازدادت حدة القتال ارتفعت الإصابات، وكانت الجزيرة توثِّق كل إصابة .
وفي الصفحة 412 قال: ودون أن أعطي مصداقية للجزيرة أشرت إلي أن الإصابات في صفوف المدنيين تحدث في أي حرب . ثم يتحدث بشكل مباشر في الصفحة 422 عن إيقاف عملنا وشرط قيام وفد مجلس الحكم بإخراجنا من المدينة بقوله: تحدثت أنا وأبي زيد وسانشيز وبلاكويل، لمدة نصف ساعة أخري، فقال جون إنه يتفهم أن الوضع السيء لا يسمح بمواصلة الهجوم علي الفلوجة الآن، وبحثنا، هل سيتمكن وفد مجلس الحكم من تهدئة الأمور، بالشكل الكافي لكي توقف الجزيرة نقلها للأخبار .
إذن كانت مهمة رئيسية لوفد مجلس الحكم: إيقاف الجزيرة نقلها للأخبار، ومن ثم فقد أصبح مطلب خروجنا من المدينة رسمياً صباح الجمعة التاسع من نيسان (ابريل)، وبالتالي فكل ما تبع هذا القرار سواء من إطلاق النار علينا، أو نشر الإشاعات في المدينة أن كل من يؤوي فريق الجزيرة في بيته سوف يتم قصف هذا البيت، أو دفع بعض ضعاف النفوس للضغط علينا للخروج من المدينة، لأننا أحد أسباب استمرار القتال، كل ذلك كان بتخطيط وترتيب أمريكي أكد عليه الحاكم الأمريكي بريمر في كتابه وحمله أعضاء مجلس الحكم كطلب أول من أهل المدينة حينما التقوا به في جامع الحضرة المحمدية صباح السبت العاشر من نيسان (ابريل) 2004.

ليست هناك تعليقات: