آخر المقالات

الثلاثاء، 2 أكتوبر، 2007

معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق -9


احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق -9
الكاميرات فقدت بوصلتها امام مشاهد اهوال يوم القيامةالعقاب الجماعي وضع العملية السياسية علي حافة الانهيار
02/10/2007



منقول من القدس العربي
02.102007


يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق. و القدس العربي تنفرد بنشر فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حولتها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام .القدس العربي

ربما يتحدث الناس دائماً عن مأساة الأحياء في الصراعات والحروب. ويعتبر كثيرون من البسطاء أن الأموات في مثل هذه الظروف قد ارتاحوا من عناء الحياة، غير أني هنا ـ وربما استغرب بعض القراء ذلك ـ سوف أتحدث عن مأساة الأموات في مدينة الفلوجة.

وقد بدأت المشكلة تتفاقم مع أول يوم للحصار الأمريكي للمدينة حيث ان المقبرة الرئيسية للبلدة كانت تقع علي الضفة الأخري من نهر الفرات كما أشرت من قبل، وحينما ضربت القوات الأمريكية حصارها حول المدينة كانت المقبرة من بين الأماكن التي وقعت تحت سيطرة القوات الأمريكية.

في الأيام الأولي للحصار كان عدد الشهداء محدوداً إلي حد ما، فكانوا يقومون بدفنهم في المقابر القديمة الموجودة داخل البلدة والتي لم تعد تستعمل منذ سنوات طويلة، لكن حينما بدأت أعداد الشهداء تزداد أصبحت المشكلة معقدة، وبلغت ذروة التعقيد يوم الأربعاء السابع من نيسان (ابريل ) .

فالعائلة التي استشهد أربعة وعشرون من أفرادها في حي الجولان بقيت جثثهم مع جثث أخري في مسجد أبي أيوب الأنصاري إلي اليوم التالي لعدم وجود مكان لدفنهم، وكان أهل المدينة كلما حاولوا أن ينقلوا بعض الموتي إلي المقبرة التي تقع تحت سيطرة القوات الأمريكية أمطرهم الأمريكيون بالرصاص فيعودون بجثث الشهداء ومعهم شهداء ومصابون جدد من المشيعين. وقد استشهد كثير من أهل الفلوجة أثناء قيامهم بدفن شهدائهم حتي في المقابر البديلة بعد ذلك.

حلم الوصول الي.... المقبرة

وأذكر أني حينما ذهبت صبيحة الأربعاء 7 نيسان (ابريل) لحضور إحدي الجنائز والاطلاع علي حال المقبرة القديمة وسط المدينة كما سبق أن أشرت، كان الناس متذمرين للغاية لأن المقبرة كانت ممتلئة، ولا توجد بها أماكن لقبور جديدة، ويصعب حفر قبور جديدة بها. كما أن عدد الشهداء كان يتزايد بشكل كبير يوماً بعد يوم، وأصبح الجميع يتساءلون في غضب حينما شاهدوني وقالوا لي ..

أين نذهب بالأموات؟ هل هذه هي الديمقراطية التي جاءت بها أمريكا إلينا، أن يسيطروا علي المقبرة ويمنعونا من الوصول إليها وأن يصل الحال بنا إلي عدم القدرة علي دفن شهدائنا ؟ من جانب آخر فإن بعض الأسر في حي نزال تحديداً الذي حاصرته القوات الأمريكية عدة أيام وكانوا يطلقون النار علي كل شيء يتحرك فيه حتي سيارات الإسعاف، اضطروا إلي دفن شهدائهم في حدائق المنازل.

وأذكر أن عائلة الشهيدين اللذين سبق وأن أشرت إليهما في حي نزال طلبوا منا بعدما عجزوا عن نقلهم إلي المستشفي أو إلي المقبرة أن نذهب لتصوير جثث أبنائهم وبثها أثناء إقامة جنازة لهم، وتصوير مقبرة في حديقة المنزل فربما يساعد هذا في حل مأساتهم، وأن تسمح القوات الأمريكية بفتح الطريق إلي المقبرة الرئيسية للبلدة وفك الحصار عنها. لكننا في ذلك اليوم الخميس 8 نيسان (ابريل) كنا تحت الحصار من قبل الجنود الأمريكيين والقناصة ولم نكن نستطيع أن نتحرك ونذهب لتسجيل وقائع تلك الجنازة المؤلمة، فالقناصة الأمريكيون كانوا يطوِّقون المنطقة ولم يتمكن فريقنا من دخول الشارع الذي يقع فيه البيت.

وعلمنا بعد ذلك أنه خوفاً من تحلُّل الجثث اضطر أهل البيت أن يدفنوا ولديهما في حديقة المنزل وكذلك فعل آخرون. ولنا أن نتخيل أن فلذة كبدنا الذي كان حياً في البيت قبل ساعات أصبح قبره في جانب منه مع باقي أفراد الأسرة من الأحياء، كيف يكون حجم الألم لدي أهله وقبره ماثل أمامهم بالليل والنهار فلا يلتئم لهم جرح، ولا يجف لهم دمع؟ لا شك في أن دفن الموتي في المقبرة يخفِّف كثيراً من الآلام عن كون الأسرة تري قبر ولديها في حديقة البيت بالليل والنهار.

وقد طلب منا الدكتور رافع العيساوي مدير مستشفي الفلوجة في تلك الليلة عبر الهاتف أن نناشد باسمه من خلال قناة الجزيرة كل من كان لديه ذرة من إنسانية أن يتدخل للتخفيف حتي عن آلام الموتيوفي محاولة للتغلب علي هذه المشكلة قرر أهل الفلوجة في هذا اليوم الخميس 8 نيسان (ابريل) تحويل الملعب الرياضي في المدينة إلي مقبرة للشهداء، ورغم أن هذا كان حلاً جزئياً لأن بعض المناطق ظلت تعاني من جراء القصف ولا تستطيع حمل شهدائها لدفنهم في مقبرة الشهداء الجديدة لأنها كانت بعيدة عن أحيائهم، فكان معظم الشهداء يتم تكفينهم في المراكز الطبية القريبة منهم .

وأذكر أنه مساء يوم الجمعة التاسع من نيسان (ابريل) أبلغني الدكتور واثق العاني مدير المركز الطبي في حي المعلمين في الفلوجة، أن عبد الكريم عاشور إبراهيم استشهد فجر يوم الجمعة 9 نيسان (ابريل)، وأخذه أهله وأقاربه لدفنه في مقبرة الكرامة بعد صلاة الجمعة، وأثناء مراسم الدفن والتشييع قامت القوات الأمريكية بإطلاق النار علي المشيعين وهم داخل المقبرة، فاستشهد ثلاثة منهم هم حمدي كامل حسن من مواليد العام 1977 ، وأخوه محمد كامل حسن من مواليد العام 1985 ، وثالث هو عمر علي أحمد من مواليد العام 1976 ، وجميعهم من سكان حي المعلمين في الفلوجة، بينما أصيب آخرونوفي يوم الجمعة أيضاً قام قناص أمريكي بقنص بعض من كانوا يقومون بحفر قبور جديدة في مقبرة المعاضيدي الملاصقة للمسجد الذي يحمل نفس الاسم، وفي أوقات أخري قتلوا بعض المشيعين.

وفي هذا اليوم الجمعة 9 نيسان (ابريل) وصل عدد شهداء الفلوجة منذ بداية الحصار إلي حوالي خمسمئة شهيد حسب الإحصاءات الرسمية من المصادر الطبية، هذا خلاف الذين بقوا تحت الأنقاض أو الذين لم تكن عائلاتهم قد أبلغت عنهم، وقد أطلقت في هذا اليوم نداءات من المساجد تدعو السكان لتوفير أكفان للموتي حيث كانت هناك مشكلة في عدم وجود أكفان كافية للموتي.

كما أني أذكر حينما مررت بالمستشفي الميداني ليلة السبت العاشر من نيسان (ابريل) قرب منتصف الليل وجدت جثثاً وصلت للتو لعائلة كاملة ممدّدة أمام المستشفي تنتمي إلي ثلاثة أجيال؛ من الجد الذي كان اسمه محمد جاسم المطلوب إلي صهره إلي حفيده الصغير، حيث قصفت الطائرات الأمريكية بيتهم في منطقة جبيل بصاروخ فدمرته علي رؤوسهم وماتوا جميعاً، وكان باقي العائلة قد تمكن من الخروج صباحاً من المدينة بينما آثر هؤلاء الثلاثة البقاء.

وكانت بعض الجثث ممزقة جراء القصف حتي إني لم أحتمل رؤيتها وطلبت من المصور أن يصوّرها، وقمنا ببثها صباح السبت علي شاشة الجزيرة. وتحولت المراكز الصحية ليس فقط إلي مجرد مراكز لعلاج الجرحي ولكن أيضاً كان يكفن بها الموتي وتتحرك بهم سيارات عادية إلي المقبرة مع أحد أقاربهم إن وجد أو مع أحد المتطوعين .

وكانت هناك مأساة أخري هي مأساة بعض الجثث التي لم يتم التعرف علي هوية أصحابها بسبب أن العائلات كانت ممزقة؛ بعضها خرج من المدينة وبعضها بقي وبعضها أوي لدي أقارب له في حي كان يظنه آمناً، لكن الموت كان يأتي الناس من كل مكان.

وأذكر أن بعض المقابر كانت تضم أطفالاً من عائلة واحدة اثنين وثلاثة أحياناً في قبر واحد، وقد شاهدت قبراً لثلاثة أطفال أشقاء كتب عليه ثلاثة أطفال أبناء ضاحي ، ولا زالت هذه المقابر ماثلة بشواهدها في الفلوجة، لا سيما مقابر الأطفال، وهي تشير إلي الهمجية الأمريكية والجرائم التي ارتكبها بوش وجنوده بحق أطفال الفلوجة وأهلها، لذلك لم يكن الأحياء وحدهم يعانون من نيران القوات الأمريكية وحصارها لمدينة الفلوجة ولكن الأموات أيضاً كانوا يعانون بشكل كبير.

يوم الجمعة الدامي

كانت هناك جموع هائلة من الناس رجالا ونساء وأطفالا وشيوخا تتحرك سيراً علي الأقدام أو تضع أمتعتها علي سيارات، وكان الجميع يحملون أعلاماً بيضاء ويسيرون نحو مخرج المدينة الجنوبي من جهة النعيمية، وكلما اقتربنا من الطريق العام الذي يربط المدينة بالنعيمية كانت أعداد الناس تزداد، لكن ما إن وصلنا إلي طريق النعيمية حتي بدا المنظر وكأنه يوم الحشر، آلاف مؤلفة من الناس في موجة نزوح جماعي من المدينة، هرباً من الموت وجحيم الحصار بعدما انتشرت إشاعة مفادها أن القوات الأمريكية تركت طريق النعيمية مفتوحاً لمن أراد الخروج من المدينة، ثم تقوم بعد ذلك بعملية اجتياح للمدينة حيث ستدمرها علي رؤوس من سيبقي فيها، فخرج عشرات الآلاف من الناس بنسائهم وأطفالهم وعجائزهم هائمين بحثاً عن مخرج وهرباً من الموت القادم الذي سيجتاح المدينة، ولم تكن هناك سيارات تكفي لنقل عشرات الآلاف من الناس في تلك الهجرة الجماعية من المدينة، فكانت الأغلبية تمشي علي أرجلها ترفع أعلاماً بيضاء يحملها الكبار والصغار طلباً للأمان .

وكانت المقاومة كما أشرت آنفاً قد دمرت مساء الثلاثاء 6 نيسان (ابريل) مركز النعيمية الذي أقامته القوات الأمريكية التي فرت من الموقع مع أشلاء قتلاها وجرحاها، لكنها عادت بعد ذلك وبقي المخرج تحت سيطرتها الجوية والبرية حيث كانت تقصف كل من يحاول استخدامه. لكن الإشاعة ملأت المدينة في ذلك اليوم أن القوات الأمريكية قد فتحت المخرج لمن أراد الخروج.

طلبت من ليث وسيف أن ينزلا من السيارات ويقوما بتصوير هذا المشهد الرهيب، لكن لأن المشهد لم يكن له نهاية، اقترح حامد أن نذهب إلي مقر المستشفي الميداني الذي يمثل نقطة التجمع الرئيسية التي يتحرك الناس من عندها، ولم تكن بعيدة عناحينما وصلنا إلي هناك شعرت بالفعل بأهوال أقرب ما تكون إلي أهوال يوم القيامة، الفزع والخوف والهلع والفوضي والصراخ والبكاء والنحيب والناس تجري في كل اتجاه.

نساء، وأطفال، وشيوخ، جرحي ومعوقون، صراخ، وبكاء، وعويل، وضياع، شعرت أني في متاهة كبيرة، أنزلنا أغراضنا من السيارات ووضعناها قرب حائط علي جانب الطريق، وأخذت أصرخ علي ليث وحسان: صوِّر هذا ، ثم أجد ما هو أبشع منه، فأقول له: لا، صوِّر هذا ، وإلي أن يأخذ وضعية التصوير بالكاميرا ويحاول تشغيلها أصرخ عليه: لا... لا، تعال هنا هذا أبشع، صوِّر هذا ، ثم أجد ما هو مؤلم، فأنادي عليهما وفجأة لا أجد أيا منهما فأصرخ كاميرا... كاميرا ، وصار بعض الناس الذين كانوا يقفون حولي يصرخون مثلي كاميرا.. كاميرا أي كاميرا؟!! كنت في هذه اللحظات أريد ألف كاميرا لتصوِّر أهوال هذه المشاهد المذهلة والمؤلمة والمخيفة والمرعبة، إنها مشاهد الذين يبحثون عن فرار من الموت.
هل شاهدتم قبل ذلك أناساً يفرون من الموت؟ المشهد لا يمكن أن يوصف، إنهم جميعاً كانوا يريدون الفرار من الموت الذي أصبح يتخطف الناس في الفلوجة من كل مكان في المدينة. يخطف الرضيع من علي صدر أمه برصاصة قناص، والأب من بين أبنائه بقذيفة، والطفل وسط إخوانه بشظية، والعائلة كلها أحياناً عدا رضيع أو عجوز بصاروخ، إنه الموت قادم يدوس فوق المنازل والبيوت، جاء به بوش وجنوده إلي أهل الفلوجة الذين كانوا آمنين مطمئنين يعيشون مثل كثير من الناس لكن الآن كل شيء تغير، الكل يريد الهرب من الموتوحالة الذي يريد الهرب من الموت تُرَي وتُحَسّ ولكن من الصعب وصفها، كيف أصفها؟

لقد كدت أشعر في تلك اللحظات أني لا أستطيع أن أجمع شتات نفسي، ثم صرخت فجأة حينما رأيتها... رأيتها هائمة تبكي وتصرخ وتذهب في كل الاتجاهات، إنها طفلة كانت تائهة ضائعة بين الزحام، تصرخ بحثاً عن أمها أو أي أحد من عائلتها التي ضاعت منها وسط الزحام في حالة الهرج والمرج والفوضي والضياع والهروب من الموت الذي كان يجتاح المدينة، لكني حينما نظرت إليها وهي هائمة تصرخ وتبكي لم أر وجهها، وإنما رأيت وجه ابنتي الصغيرة رهام التي كانت في مثل سنها، فصرخت وأنا أركض تجاهها أحاول أن أساعدها في الهروب من الموت، آآآآآآه يا صغيرتي آآآههزت أحداث الفلوجة البيت الأبيض ونقلت الوكالات في هذا اليوم أن الرئيس الأمريكي جورج بوش اطلع بنفسه علي الوضع المتردي للقوات الأمريكية في اتصال عبر الفيديو من الفلوجة، كما تحدث إلي حليفه توني بلير وطلبه إلي اجتماع عاجل في واشنطن حدد له السادس عشر من نيسان (ابريل).

وهذا تاريخ هام لأنه تباحث معه في هذا الاجتماع عن نيته في قصف مقر قناة الجزيرة بسبب تغطيتنا لأحداث الفلوجة كما كشفت صحيفة الديلي ميرور البريطانية وكما سأوضح بعد ذلك، علاوة علي ذلك عقد بوش اجتماعاً لمجلس الأمن القومي الأمريكي لبحث الوضع في العراقوقال الحاكم العسكري الأمريكي بول بريمر في مذكراته عام قضيته في العراق :

إن الاجتماع الذي عقد عبر دائرة تليفزيونية وحضره كل من الجنرال جون أبي زيد ودونالد رامسفيلد وريتشارد مايرز وكوندوليزا رايس وديك تشيني والرئيس الأمريكي بوش كان مخيباً للآمال من خلال العرض الذي قدمه الجنرال جون أبي زيد عن الوضع العسكري في العراق وقال بوش في نهاية الاجتماع: علينا أن نكون أشد من الجحيم الآن، الأمريكيون يريدون أن يعلموا بأننا نلاحق الأشرار، علينا المبادرة إلي الهجوم، ومواصلته .

لذلك عقدوا اجتماعاً آخر في نفس اليوم، لترتيب إجراءات الضوء الأخضر الذي أخذوه من بوش لكي يكونوا أشد من الجحيم. وقال بريمر: لكن هذا اليوم لم ينته بعد فقد وردت أنباء تفيد بأن المارينز يواجهون مقاومة شديدة في الفلوجة.

الأخضر الابراهيمي

أما هيئة علماء المسلمين فقد أعلنت مقاطعتها للأمم المتحدة ما لم تندد بما تقوم به القوات الأمريكية في مدن العراق، وكان الأخضر الإبراهيمي مندوب الأمين العام للأمم المتحدة الذي كان موجوداً في العراق لم يندد بما تقوم به القوات الأمريكية، بل كان كما قال عنه الحاكم الأمريكي بول بريمر في الصفحة 410 من كتابه عام قضيته في العراق :

كان الديبلوماسي الجزائري ـ الأخضر الإبراهيمي ـ أكثر قلقاً حيال إراقة الدماء المحتملة في الفلوجة، وهدد بمغادرة العراق لكنه بعد نقاش مع بريمر اقتنع بوجهة نظر بريمر الذي قال عنه بعد ذلك: وفي النهاية وافق الإبراهيمي علي البقاء في الوقت الحاضرفي نفس الوقت دعت هيئة علماء المسلمين إلي تظاهرة سلمية تنطلق من بغداد صباح الخميس الثامن من نيسان (ابريل) وتتجه إلي الفلوجة لتقوم بفك الحصار الذي تضربه القوات الأمريكية حول مدينة الفلوجة، وقد حركت هذه الدعوة العراقيين في معظم أنحاء العراق للتوجه إلي الفلوجة ومحاولة فك الحصار عنها.

يوم مشهود

أصبحنا تحت الحصار لا نستطيع أن نتحرك من بيت آل حديد الذين كانوا جميعاً محاصرين معنا، فالقناصة يحاصروننا، لكننا لم نتحدث علي الهواء بهذا حرصاً علي عدم إقلاق الآخرين، حتي إننا لم نُخْبر زملاءنا في الجزيرة بخطورة ما نحن فيه، وقلنا لنتدبر أمرنا طالما أننا نستطيع أن نستخدم المدخل الخلفي للبيت وإن كان في الأمر مخاطرة الوقوع تحت نيران القناصة، لكن لم يكن أمامنا خياركان يوم الخميس الثامن من نيسان (ابريل) 2004 يوماً مشهوداً من أيام .

ففي هذا اليوم وحَّدت الفلوجة السنة والشيعة وكل أطياف المقاومة في العراق، وقد تمكن المقاتلون في الفلوجة في هذا اليوم من إسقاط سادس مروحية منذ بدء حصار المدينة، وشوهدت وهي تحترق في بستان البو عريم قرب مدرسة الأنبار في حي الجولان في الفلوجة.

كما بدأ رجال المقاومة في استخدام سلاح القنص أيضاً للجنود الأمريكيين، وأعلن متحدث باسم القوات الأمريكية أن عنصرين من المارينز قتلا في الفلوجة بنيران القناصة، ولعل هذا ما دفع القوات الأمريكية إلي بدء الاعتماد علي طائرات إف 16 المقاتلة بشكل أساسي بعدما نجح مقاتلو الفلوجة بإسقاط رقم قياسي من الطائرات المروحية خلال أيام قليلة.
في نفس الوقت كان جيش المهدي يصعّد انتفاضته ضد القوات الأمريكية في كافة مدن الجنوب: كربلاء والنجف والكوفة والكوت، وكذلك في مدينة الثورة في بغداد؛ لكن الكارثة الكبري التي واجهتها القوات الأمريكية المحاصرة للفلوجة كانت في قطع طرق الإمداد عنها، وضرب حصار حولها من كافة الاتجاهات التي تؤدي إلي المدينة.

فالطريق الرئيسي لإمداد القوات الأمريكية المحاصرة للفلوجة كان طريق بغداد الفلوجة عبر أبو غريب، وقد تداعت فصائل المقاومة من كل أنحاء العراق وقامت بتنسيق حصارها للقوات الأمريكية المحاصرة للمدينة وعلاوة علي قصف القوات الأمريكية بالهاون والصواريخ ونصب الكمائن لها طوال الليل، قامت المقاومة بقطع طرق الإمداد عنها صباح الخميس 8 نيسان (ابريل) وأحرقت أكثر من عشر شاحنات كانت تحمل مواد تموينية للقوات الأمريكية، وقام الزملاء في الجزيرة مع معظم وكالات الأنباء بتصوير الشاحنات وهي تحترق بينما كان يقوم بعض السكان بنهبهاوقد تصاعد الهجوم علي قوافل الإمدادات في اليوم التالي حتي تحول الطريق بين بغداد ومدخل الفلوجة إلي محرقة لقوافل الإمداد الأمريكية، مما أرعب السائقين الذين يعملون مع القوات الأمريكية وجعلهم يرفضون نقل المؤن واضطر الأمريكيون إلي إيصال المؤن الغذائية لقواتهم عبر الطائرات المروحية في كثير من المناطق حول الفلوجة.

أما من ناحية الشمال الشرقي للفلوجة فقد تمكنت المقاومة من تدمير 7 آليات عسكرية علي طريق الكرمة ـ ذراع دجلة، وبعد ذلك أحكم رجال المقاومة سيطرتهم تماماً علي الطريق، وقد مررت به صباح الحادي عشر من نيسان (ابريل) فوجدت المقاومة تسيطر عليه بالكامل وبطول يزيد عن مئة وخمسين كيلو متراً ولم يكن هناك جندي أمريكي واحد علي الطريق، رغم أنه كان أحد طرق الإمداد الرئيسية للقوات الأمريكية للحماية، وكان هو الطريق الوحيد البديل للطريق السريع الذي يربط العراق مع الأردن وسورية والذي كانت تقطعه القــوات الأمريكية بعد حصارها للفلوجةأما علي طريق عامرية الفلوجة فقد تمكنت المقاومة من تدمير رتل عسكري أمريكي كان يضم ثلاث شاحنات تحمل مؤناً مع سيارتي جيب همر كانتا للحماية.

أما في مدينة الكوت فقد فرت القوات الأوكرانية بعد عجزها عن مواجهة جيش المهدي، ورفضوا حماية المدنيين الذين كانوا يعملون معهم وكان من بينهم ثلاثة عشر بريطانياً، وقد نددت الصحف البريطانية ومنها الغارديان بموقف الأوكرانيينكما اشتعلت المواجهات ضد القوات الأمريكية في كل من تكريت وسامراء والموصل وبعقوبة وكل محافظة ديالي وكل مناطق محافظة الأنبار، وأفلت الزمام تماماً من يد الأمريكيين، وبدأت ملامح ومعالم الهزيمة تحيط بهم في كل أرجاء العراق وكان ذلك عشية الذكري الأولي لاحتلالهم العراقوقد كتب كثير من المعلقين في الصحف الغربية في ذلك اليوم 8 نيسان (ابريل) 2004 لا سيما البريطانية والأمريكية تعليقات حول الورطة الأمريكية من بينها الهجوم الذي شنه المحلل البريطاني شيوس مايلن في صحيفة الغارديان البريطانية علي كل من بوش وبلير وبريمر، وقال فيه: إنهم أشعلوا حرباً جديدة وسوف يحترقون فيها.

وأشارت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إلي أن القوات الأمريكية تواجه انتفاضة واسعة في كل أنحاء العراق وليس مع جيش المهدي فقط كما حاولت القيادات الأمريكية أن توحي في تصريحاتها خلال الأيام الماضية.وقد تصادفت هذه الانتكاسة للقوات الأمريكية مع استقالة ريتشارد بيرل أحد قيادات المحافظين الجدد ومهندسي الحرب علي العراق فيما اعتبر بداية لهزيمة هذا الفريق وهزيمة أمريكا.

وقد طالب بيرل آنذاك باستقالة مدير جهاز المخابرات المركزية الأمريكية جورج تينيت الذي استقال بعد ذلك في تموز (يوليو) 2004 وسط انتقادات واسعة النطاق لأداء المخابرات شملت أيضاً الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة في 11 أيلول (سبتمبر) 2001 .

واتهم تينيت بعد ثلاث سنوات من استقالته في حلقة من برنامج ستون دقيقة الذي تبثه محطة سي بي إس الأمريكية تم بثها في 26 نيسان (ابريل) 2007 ـ اتهم بوش وإدارته وخاصة ديك تشيني وكوندوليزا رايس بأنهم يريدون تلويث سمــــعته السياسية وتحميله السبب وراء خوض هذه الحرب الفــــاشلة في العراق .

وصرح تينيت بأن أكثر ما يثيره هو استمرار كبار المسؤولين مثل ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي وكوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية في الإشارة إلي تعبيره الهدف المضمون وكأنهم يقولون انظروا إلي هذا الغبي وما قاله لنا ونحن قررنا أن نخوض الحرب . ودعا المسؤولين في البيت الأبيض إلي تحمل المسؤولية وقال: لينهض الجميع وليقولوا الحقيقة.

ليقولوا للشعب الأميركي حقيقة ما حدثوأصدر تينيت مذكراته في الذكري الرابعة للاحتلال تحت عنوان في قلب العاصفة الذي كان من أكثر الكتب إثارة للجدل حينما صدر في شهر أيار (مايو) من العام 2007 حيث شن فيه تينيت، الذي بقي رئيساً لجهاز السي آي إيه من العام 1997 وحتي استقالته أو إقالته في العام 2004 ، هجوماً كاسحاً علي بوش وإدارته ومخططاته لغزو واحتلال العراق.

وكان تينيت هو أول من ضحي بهم بوش بعد الهزيمة التي بدت واضحة خلال معركة الفلوجة الأولي في نيسان (ابريل) 2004 ، في نفس الوقت اعترف وليام كريستول أحد أبرز المحافظين الجدد وصاحب الصحيفة اليمنية ويكلي استاندر في مقال كتبه في صحيفته بعد حصار الفلوجة في نيسان (ابريل) 2004 بأنه: حدث تحول جذري في تفكيرنا وأخطأت في بعض الأشياء ، أما روبرت كاجان فقد كتب مقالاً في مجلة فورين أفيرز الأمريكية الشهيرة أكد فيه أن أحداث العراق جعلتهم ـ كمحافظين جدد ـ يعيدون التفكير في أولوياتهم، وسوف أفصِّل فيما بعد معالم وتفاصيل الهزيمة التي لحقت بهؤلاء الذين روَّجوا للحرب علي العراق وكانوا يعتقدون أنهم سوف يقومون بتغيير العالم من خلالها

أزمة علي نطاق واسع

أما بول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق فقد عبَّر عن عمق الهزيمة التي كان يعيشها مع قواته وإدارته في هذا اليوم حيث يقول في صفحة 417 من مذكراته: في صباح يوم 8 نيسان (ابريل) أثارت الأزمتان العسكريتان ـ الفلوجة وجيش المهدي ـ أزمة سياسية علي نطاق واسع، أولاً قدم وزير الداخلية نوري البدران، آمر جهاز الشرطة العراقية المترهل استقالته، ومع أنه علل خطوته بأنها عائدة لأسباب شخصية فإن من المثير للقلق تخلّيه عن الحكومة في أثناء الأزمة المتواصلة.

ثانياً عمد أبو حاتم المحارب الشيعي الأسطوري من الجنوب ـ أمير الأهوار الذي يملك السلطة علي قبائل مهمة علي طول الحدود مع إيران إلي تعليق عضويته في مجلس الحكم، وكنت زرت مواطن قبيلته في الأهوار في أيلول/سبتمبر ورأيت الشعبية التي يتمتع بها هناك، اتصلت به علي هاتفه الخلوي في منزله القبلي في مدينة العمارة الجنوبية وطلبت منه إعادة النظر في قراره فقال دعني أفكر إنها فترة عصيبة ، واتفقنا علي اللقاء في اليوم التاليوخلال دقائق أعلن وزير حقوق الإنسان عبد الباسط تركي عن استقالته، وهو مسلم سني معتدل ولديه روابط عائلية وعشائرية في مقاطعة الأنبار، وبعد ذلك سمعنا أن الباجه جي العضو الكبير في مجلس الحكم، غاضب من عملية الفلوجة التي أسماها علناً عقاباً جماعياً وكان أيضاً علي عتبة الاستقالة.

وبعد أقل من ساعة جاء حاجم الحسني ممثل الحزب الإسلامي العراقي ليبلغني بأن المكتب السياسي لحزبه صوَّت علي الانسحاب من مجلس الحكم احتجاجاً علي الهجوم الذي يشنه المارينز علي الفلوجة. وأضاف حاجم بأن غازي الياور أحد الأعضاء الستة البارزين في مجلس الحكم يعتزم ترك مجلس الحكم بعد ظهـــــر اليوم، وأصر حاجم قائلاً: عليكم الدعوة لوقف إطلاق نار فوري في الفلوجة .

وعبر عن رغبـــته في قيادة وفد من مجلس الحكم إلي الفلوجـــة للتـــحدث مع قادة المدينة بشأن الأزمةوقد أوجز بريمر هذه الصورة التي تحمل كل معالم الهزيمة العسكرية والسياسية للقوات الأمريكية في العراق آنذاك قائلاً: كنا أمام أكثر أزمات الاحتلال حرجاً، حيث لا يمكن أن تكون المخاطر أكبر ، ثم يتحدث عن هزيمة حقيقية للوجود الأمريكي في العراق بسبــــب معركة الفلوجة قائلاً في الصفحة 419 : تبين أن العمليات المتواصلة في الفلوجة ستؤدي إلي انهيار العملية السياسية بأكملها وتجبرنا علي تأجيل نقل السيادة إلي العراقيين وكنت واثقاً من أن ذلك سيؤدي إلي تصاعد التمرد ومقتل مزيد من الأمريكـــيين، وفي نفس الوقت شعرت أن علينا مواصلة العمليات العسكرية القوية ضد مقتدي هكذا يعترف بريمر بالهزيمة المبكرة التي صنعتها معركة الفلوجة الأولي للأمريكيين، وأن كل هؤلاء العراقيين الذين شاركوا في العملية السياسية من البداية لعبوا الدور الأساسي في التمكين لقوات الاحتلال، ولو أنهم تخلوا عن المشاركة في مجلس الحكم من البداية لانهار الاحتلال الأمريكي للعراق،.

كما لعب هؤلاء دوراً كبيراً في إنقاذ القوات الأمريكية التي كانت بالفعل كما قال بريمر تنهار في الفلوجة وهي تتعرض كل يوم لمزيد من القتليهذا علي الصعيد السياسي والدولي؛ أما علي الصعيد الداخلي فإنه بناء علي دعوة هيئة علماء المسلمين خرج آلاف العراقيين من السنة والشيعة من بغداد إلي الفلوجة في مسيرة حاشدة يرددون لا سنة ولا شيعة، والعراق ما نبيعه ، وحدة وحدة إسلامية لا سنية ولا شيعية .

وقام الهلال الأحمر العراقي بإعداد قافلة ضخمة من الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية والمواد الغذائية الطازجة والخضراوات والفواكه واتجهوا إلي الفلوجة، وقرر الجميع كسر الحصار عن المدينة والدخول إليها، وتحرك كثير من أهل العراق بقوافل أخري من معظم مدن العراقوقال الشيخ أحمد عبد الغفور السامرائي إمام مسجد أم القري في بغداد في تصريحات نشرتها وكالة الأنباء الفرنسية: بعد مفاوضات استغرقت يوماً كاملاً حصل الهلال الأحمر علي إذن من الائتلاف بإدخال هذه المؤن المحملة.... والمكوَّنة من الأدوية والمواد الغذائية، والمستلزمات الطبية، والفواكه والخضراوات والدم إلي أهالي الفلوجة .

وأضاف: نريد أن نعبر عن تضـــامننا مع إخواننا الذين تعرضوا للقصف بالطائرات والدبابات، الناس يقدمون التبرعات حتي ان بعض النساء أحضرن حليهن تبرعاً لأهالي الفلوجة كي يشعروهم بأننا معهم.

ليست هناك تعليقات: