آخر المقالات

الخميس، 4 أكتوبر، 2007

معركة الفلوجة.. هزيمة امريكا في العراق -11


احمد منصور يستعيد وقائع معركة الفلوجة.. هزيمة امريكا في العراق -11 المقاومة تفاجئ الاحتلال بالسيطرة التامة علي سامراء بينما الأنظار كانت معلقة علي الفلوجة
04/10/2007



يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق.
و القدس العربي تنفرد بنشر فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حولتها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام .القدس العربي

منقول من القدس العربي
04.10.2007

صعدت إلي سطح مبني العيادات الطبية المواجه للمستشفي الميداني والذي كان أعلي مبني في المنطقة ويكشف معظم أرجاء المدينة، فوجدت المهندس سيف وليثاً يقومان ببث الأشرطة التي تم تصويرها صباحاً إلي الدوحة، وكانت الفرحة تعلو وجهيهما وهما يبلغانني بأن جهاز البث قد تم تشغيله، وأننا سنكون علي الهواء مع الدوحة بعد انتهاء بث الصور.

اخترنا مكاناً أقف فيه للتغطية، وكان حي الجولان الذي كان يشهد اشتــــباكات دامية لا تتوقف مع القوات الأمريكية يقع خلفي، وأمامي طريق النعيمية الذي كان طـــــريق الهروب من الموت صباحاً والذي خرج منه عشرات الآلاف من سكان المدينة، منهم من تمكَّن من الخــــروج ومنهم من عاد جثة هامــــدة أو جريحاً بعد ذلك، وكان هناك هدوء مشوب بالحذر يســــيطر علي المديـــنة.

بدأت البث علي الهواء وأخذت أقدم وصفاً تفصيلياً لهذا اليوم الدامي في الفلوجة (2004/4/9)، أثناء ذلك اندلعت معارك عنيفة بين المقاومة والقوات الأمريكية في حي الجولان الذي كان من أكثر أحياء المدينة اشتعالاً منذ بداية الحصار، وعادت الطائرات المروحية للقتال إلي جوار طائرات إف 16 التي كانت قد دخلت المعارك بشكل مباشر خلال الأيام الماضية.

وشاهد العالم كله من خلال شاشة الجزيرة علي الهواء خرقاً أمريكياً لوقف إطلاق النار الذي أعلنه بريمر وكيميت، ومعارك تقوم بها الطائرات المروحية، وقمنا بتصوير الطائرات وهي تصب حممها علي البيوت والسكان ورجال المقاومة في آن واحد، في نفس الوقت أجريت حوارات مع كل من الدكتور رافع العيساوي مدير مستشفي الفلوجة الذي أعلن أن عدد الشهداء رسمياً قد بلغ أربعمئة وخمسين شهيداً منذ بداية الحصار للمدينة في الخامس من نيسان (ابريل) وحتي الآن التاسع من نيسان (ابريل)، بينما زاد عدد الجرحي عن ألف جريح، كما أجريت حوارات مع كثير من أهل المدينة الذين تزاحموا علينا حينما علموا بمكان وجودنا وكان كل منهم يؤكد علي حقهم في الدفاع عن المدينة وأنهم لن يخرجوا منها وسوف يواجهون القوات الأمريكية المعتدية.

في نفس الوقت كانت جثث الشهداء والجرحي تفد إلي المستشفي الميداني فيتم تكفين الشهداء وإرسالهم للمقبرة إما مع أحد أقاربهم أو مع متطوعين، ويتم علاج الجرحي وإرسال الحالات الخطيرة إلي بغداد، حيث كان يسمح لسيارات الإسعاف وسيارات الإغاثة بأن تدخل وتخرج من المدينة.

وعلمنا في ذلك الوقت أن المقاومة نجحت بشكل كامل في حصار القوات الأمريكية المحاصرة للفلوجة من كل الاتجاهات تقريباً، وفك الحصار عن المدينة من منطقة النعيمية، حيث لم تكن هناك أية قوات أمريكية وإنما القصف كان يطال المدنيين الذين كانوا يقومون بعبور الطريق من الطائرات الأمريكية.

كيميت اتهمني بالكذب

كنت قلقاً من أن يعرف صاحب البيت الذي كنا نبث من فوقه بوجودنا فيأتي حرصاً علي بيته ويطلب منا المغادرة، لكني فوجئت برجل جاء أثناء وجودي في البث علي الهواء ومعه بعض مرافقيه كان يتحدث مع حامد، وسرعان ما دبت في المكان حركة عرفت تفاصيلها أثناء استراحة من البث، فقد علم صاحب البيت بوجودنا فعلاً، وجاء ليؤكد علينا البقاء في مكاننا بل وعرض علينا أية مساعدة إضافية نحتاجها ليقدمها لنا.

كان رجلاً شهماً للغاية، عرفت من حسين دلي وأكّد لي حامد أن اسمه محمود خضير أبو جمال. ولأن وجود خط أرضي للهاتف كان مهماً للغاية حتي نتمكن من رصد ما يحدث في أطراف المدينة وما حولها، فقد قام الدكتور عبد الملك العاني صاحب صيدلية الشفاء التي كانت قريبة من مبني المجمع الطبي بإمدادنا بخط الهاتف الخاص بالصيدلية عبر سلك طويل إلي سطح الطابق الثالث حيث كنا، وقد ساعدنا هذا كثيراً في بقاء اتصالاتنا قائمة مع كل أطراف المدينة.

ورغم أننا كنا نرصد المدينة كلها من سطح هذا المبني إلا أن بعض أهل المدينة جاؤوا إلينا وحذرونا من البث من هذا المكان لأننا مكشوفون ويمكن قصفنا أو اصطيادنا من قبل القناصة الأمريكيين، لكن لم يكن لنا خيار آخر، إما أن نبث من هذا المكان الذي كان يكشف المدينة، أو ننزل وننعزل عن متابعة الأحداث، فاخترنا البقاء علي سطح المبني رغم المخاطر ومنها أننا كنا عرضة للقصف.

أذكر هنا أن كثيراً من المشاهدين سألوني بعد ذلك لماذا لم أكن أرتدي السترة الواقية للرصاص في معظم الأحيان التي كان يقع فيها علينا القصف، وهنا أُوضح لكل من تابعنا وسأل نفس السؤال، فنحن لم يكن معنا للأسف سوي سترتين فقط واقيتين للرصاص ولم يكن معنا أية خوذات لحماية الرأس، لأننا تحركنا من بغداد إلي الفلوجة قبل موعدنا الذي كان محدداً، ولم ندرك أننا سنعيش أحداث معركة. ولأن المصورين كانوا أكثر عرضة للخطر مني لذا أعطينا كلاًّ منهما درعاً واقية من الرصاص وبقينا نحن تحت حماية أقدارنا رغم أننا كنا جميعاً كذلك.

لم تتوقف الاشتباكات رغم الإعلان الأمريكي لوقف إطلاق النار الذي لم نشعر به نحن في المدينة علي الإطلاق. ثم هاجمني الجنرال مارك كيميت علي شاشة الجزيرة بالاسم في حوار مع الزميل محمد كريشان وادعي أني أروِّج الأكاذيب من الفلوجة كما سأفصل فيما بعد. بعدها قامت الدبابات الأمريكية المرابطة علي الضفة الأخري من نهر الفرات بإطلاق نيران مدافعها الرشاشة الثقيلة علينا أثناء صلاة المغرب لكن والحمد لله لم يصب أحد من الزملاء بأذي، ونزلنا بعدها أسفل المبني بعدما تعهد لنا صاحب البيت بحماية الأجهزة التي تركناها هناك لأنها كانت أثقل من أن ننقلها إلي أي مكان آخر.

عيّن نفسه حارسا شخصيا لي

أثناء وجودي علي سطح مبني العيادات الطبية، لم أكن مشغولاً سوي بالأحداث التي كانت تدور حولي والبث والصور وغيرها، وكان هناك كثير من الناس يأتون ويذهبون وكان حامد هو الذي يتعامل معهم.

وأذكر أنه في صباح ذلك اليوم عرض علينا كثير من الناس المساعدة رغم أن كلاً منهم كان مشغولاً بنفسه أو بعائلته، ومن بين الذين عرضوا المساعدة رجل كان في العقد الرابع من عمره كنت مرتاباً منه في البداية حينما وجدته ملاصقاً لنا ويساعدنا في العمل دون أن نطلب منه، لكن حينما سألت حامداً عنه أخبرني أنه يعرفه معرفة جيدة وهو شخص موثوق يدعي منذر محمد عبيد.

كان منذر قد تطوع ليكون مساعداً وخادماً لفريق الجزيرة دون أن نطلب منه، فكان هذا التصرف منه يمثل كرماً ونبلاً وأريحية عرف بها أهل الفلوجة، فكنت كلما تلفت عن يميني أو يساري وجدت منذراً، كما أنه كان يأتينا بالأخبار، ويقدم لنا ما يستطيع من خدمات.

وأذكر له أنه حينما رأي الشمس تحرق وجهي حيث بقيت واقفاً علي السطح تحت شمس الظهيرة حتي غربت، أحضر لي طاقية حتي أضعها علي رأسي وأحتمي بها من لهيب الشمس في الأوقات التي لا أكون فيها علي الهواء، وقد رفض استرجاعها حينما أعطيتها له مساء ذلك اليوم وقال: أرجو أن تحتفظ بها حتي تتذكرني .

وقد وجدتها بعد ذلك ضمن ملابس الفلوجة التي لا زالت زوجتي تحتفط بها في مكان خاص في أحد ادراج خزانة ملابسي.رأيت منذراً للمرة الأولي صباح يوم الجمعة أثناء الزحام الشديد والهول الذي سبق أن وصفته، ففي وسط هذه الأهوال وبينما كنت أصرخ علي ليث وحسان لتصوير المشاهد المختلفة لما يحدث فوجئت برجل ينظر إليَّ بشكل غريب ثم تقدم نحوي وأمسك بتلابيبي وجذبني من ملابسي ثم أخذ يلقي علي كمًّا من الاتهامات أمام الناس أقلها أننا عملاء للأمريكان، وكان واضحاً أنه قد التبس عليه الأمر بيني وبين مراسل أحد القنوات التليفزيونية الأخري كان قد ادعي أنه دخل الفلوجة وأنه يرسل تقاريره من هناك، فكان أهل المدينة غاضبين تماماً مما يقدمه لأنه لم يكن يعكس حقيقة ما يدور داخلها.

ورغم أني عادة ما أتسامح في مثل هذه المواقف إلا أني قدرت أن هذا الموقف لا يحتمل التسامح أو الدفاع عن النفس وإنما الهجوم المباشر، لا سيما وأن الناس كانوا مسلحين ومهتاجين حولنا، والفوضي ضاربة أطنابها في كل مكان، فدفعت الرجل عني بقوة، وصرخت فيه وفي الناس الذين كانوا سلبيين ويكتفون بمشاهدة ما يحدث، وطلبت منهم أن يتحركوا ليبعدوه عني، ثم وجهت كلامي للجميع قائلاً لهم كيف يسمحون له أن يتطاول علينا ونحن نقوم بنقل معاناتهم إلي العالم ونقدم الحقائق عما تقوم به القوات الأمريكية إلي الدنيا. في هذه الأثناء ظهر منذر مع آخرين، حيث أخذوا الرجل بعيداً عني واعتذروا لي، وبقي منذر إلي جواري كأنما عيَّن نفسه حارساً شخصياً لي دون أن أطلب منه ودون أن أشعر بذلك.

وأذكر له أنه جاء لنا بغداء حينما كنا مشغولين بالبث علي الهـــــواء من علي سطح المبني بعد صلاة الجمعة، كما ظل معنا إلي نــــهاية اليوم يلبي مطالبنا ويطلعنا علي ما يحدث في المنطقة حولنا.

وحتي أكمل المشهد للرجل الذي تطاول علي يوم الجمعة ودفعه منذر عني فقد ذهبت في اليوم التالي السبت 10 نيسان (ابريل) صباحاً إلي المستشفي لأحصل علي آخرِ المعلومات، فوجدت رجلاً يأتي نحوي ويقول لي: أنتظرك هنا من السادسة صباحاً يا أحمد أما تعرفني ؟ قلت له: لا . قال: أنا الذي تطاولت عليك بالأمس وجذبتك من ثيابك، وقد جئت لأعتذر إليك عما بدر مني فلم أكن أعلم أنك أحمد منصور فقد التبس عليَّ الأمر ولم أكن أقصدك، ولكن كنت أقصد شخصاً آخر، والله ما نمت أمس حينما علمت أن الذي تطاولت عليه هو أحمد منصور وليس الشخص الآخر الذي كان في ذهني، فقد كنت مشوشاً وغاضباً مثل كل الناس، وحينما علمت بعد ذلك أني تطاولت عليك أنت حزنت كثيراً وخفت أن أموت دون أن أعتذر إليك عما بدر مني، وأرجو أن تسامحني .

ضممت الرجل وقبلته في رأسه وقلت له: لا عليك لقد نسيت ما حدث، وأنا ألتمس الأعذار للناس لا سيما في مثل هذه الأجواء، وأرجو أن تسامحني أنت أيضاً لأني دفعتك عني وصرخت في وجهك، لأن الوضع لم يكن يحتمل مني غير ذلك في ظل وجود أناس مسلحين كثيرين كان يمكن أن يطلق أي منهم الرصاص علي وعلي زملائي بناء علي اتهاماتك لنا.

ثم أعطاني الرجل ورقة وهو يقول: لقد كتبت هذه الورقة قبل أن أنام أمس حتي تصلك وبها اعتذار مكتوب مني عما قمت به، وقد جئت إلي المستشفي بعد صلاة الفجر وبقيت أنتظرك حتي تأتي وقلت إذا لم تأت أعطيها للأطباء حتي يوصلوها إليك إذا رأوك.فتحت الورقة فوجدت بها كلمات اعتذار وأسف كتبت بلغة بسيطة تنم عن قلب طيب ونفس رفيعة، فطويتها ومسحت دموعي وأنا أضم الرجل مرة أخري، وأطلب من الله المغفرة لي وله.

مكالمة هاتفية ترفع المعنويات

في مساء هذا اليوم الجمعة التاسع من نيسان (ابريل) بعدما نزلنا من علي سطح المبني بعد صلاة المغرب، قمت بالاتصال بوضّاح لأبلغه بأننا تعرضنا لإطلاق النار من قبل القوات الأمريكية، فأبلغني أن الشيخ حمد بن ثامر رئيس مجلس الإدارة الذي كان دائم الاتصال بنا والاطمئنان علينا يجلس معه ويود الحديث معي.

كلمني الشيخ حمد وشجعني وطلب مني أن أبلغ الزملاء تحياته، ولأن التعب والإرهاق كان ملمًّا بكل الزملاء فقد طلبت من الشيخ حمد أن يسلم هو عليهم جميعاً واحداً تلو الآخر فقد أبلوا بلاء حسناً وكانوا جميعاً عرضة للموت والخطر.

وكنت أقدم له كل شخص وأعرّفه بدوره وعمله فيتحدث معه الشيخ فيشكره ويشد من أزره، ورغم أنه ربما لم يكن يعرف أياً منهم معرفة شخصية إلا أنه تحدث معهم جميعاً حديث العارف بهم القريب منهم.

وقد لعبت هذه المكالمة الهاتفية دوراً كبيراً للغاية في شد أزر الزملاء ورفع معنوياتهم ومنحهم طاقة كبيرة رغم الإرهاق الشديد الذي كان يلم بالجميع.وأود أن أشير هنا إلي الدور العظيم الذي لعبه الدعم المعنوي الكبير الذي قدمه رئيس مجلس الإدارة الشيخ حمد بن ثامر لنا في تغطية هذه الأحداث كلها، فقد كان دائم الاتصال بي ودائم الشد من أزرنا فيما نقوم به، وهذه من الأمور الهامة التي ساعدتنا علي القيام بدورنا علاوة كذلك علي ما قام به الزميل وضاح خنفر مدير قناة الجزيرة وباقي الزملاء في غرفة الأخبار، الذين كنا نسمع دائماً منهم الكلام الطيب حينما يتصلون بنا ويتحدثون إلينا، ونشعر بحرصهم علينا وتقديرهم لجهودنا وأمنياتهم الدائمة لنا أن نعود سالمين من مهمتنا.

العشاء مع شهيد

بعد انتهاء المكالمة الهاتفية المطوَّلة، مع الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني رئيس مجلس الإدارة والزميل وضاح خنفر مساء يوم الجمعة الدامي، وجدت جميع الزملاء منتشين وسعداء بهذا الاتصال والكلام الطيب الذي سمعوه، فالتقدير المعنوي هام للغاية في مثل هذه المواقف، وربما يغفل عنه كثير من الناس لكن مفعوله ساحر علي أناس مجهدين ويتعرضون للموت في كل لحظة وهو أن يجدوا أن هناك من يشعر بهم وبما يقومون به ويقدره حتي لو بكلمات بسيطة.

رغم الإرهاق الشديد الذي كان ملمّاً بالجميع، قلت لهم: ماذا سنفعل الآن ؟ قال حسين دلي: سيأتي معي حسان وليث وأبو عمر والمهندس سيف لتناول العشاء والمبيت في منزلنا. وكان هناك ثلاثة رجال يقفون معنا وجدتهم يحملون أغراضنا لم أكن أعرفهم لكني كنت قد رأيت بعضهم يساعدون الزملاء طوال الوقت، فعرّفني حامد عليهم.

كان أحدهم زوج شقيقته واسمه حسين علي سمير وشقيقه نزار، وشخص ثالث يدعي عمر فاروق، وأبلغني حامد أنني سأذهب أنا وهو وعبد العظيم إلي بيت زوج شقيقته حسين علي سمير لتناول العشاء هناك، وكان بيته لا يبعد سوي بيتين أو ثلاثة من مبني العيادات الطبية الذي كنا نبث من علي سطحه طوال اليوم. ودعنا حسين دلي مع الزملاء الذين ذهبوا معه، وكان ليث وحسان وأبو عمر سوف يعودون صباحاً إلي بغداد مع إحدي القوافل بعد فتح الطريق، بينما سيأتي حسين دلي مع سيف عند الساعة السابعة عند مجمع العيادات الطبية، ويقوم عبد العظيم وحامد بدور ليث وحسان كمصورين علاوة علي إعدادهم التقارير حتي يقوم الزملاء من بغداد بإرسال مصورين بدلاً من حسان وليث.

رحب بنا حسين علي سمير في بيته، وقدم لنا العشاء مع اعتذارات مصاحبة بأننا نستحق إعداداً أفضل من هذا، غير أنه تم ترتيب الأمر علي عجل، وقال لنا: عشاؤكم أنتم جميعاً وفريق الجزيرة هنا غداً السبت في بيتنا إن شاء الله.تحدثنا علي العشاء عما دار في المدينة طوال اليوم وسألت حسين سمير هل سيخرج من المدينة أم سيبقي فيها؟ قال: لن أخرج مهما فعل الأمريكيون. هذه بلدنا، وهم المعتدون علينا .

وكان له طفل عمره ست سنوات اسمه عليّ جاء يسلم علينا وجلس معنا، فداعبت علياً قائلاً: وأنت هل سترابط مع أبيك في المدينة أم ستخرج يا علي ؟ قال علي ابن الست سنوات: بل سأبقي مع أبي لن أخرج .بعد العشاء بقي حامد ليبيت في بيت أخته، بينما ذهبت مع عبد العظيم إلي بيت عمر فاروق الذي تناول العشاء معنا لنبيت في بيته الذي كان علي الجانب الآخر من المستشفي الميداني.

أذكر أنه أثناء تناولنا للعشاء في بيت أخت حامد اتصل بي الزملاء لأشارك في نشرة أخبار العاشرة حول القصف الذي تعرضنا له مساء اليوم من القوات الأمريكية، وأذكر أن جمال ريان كان هو الذي يقدم نشرة الأخبار، وجمال كان ينسجم كثيراً معي حينما أكون معه من الفلوجة، ومن بيت عمر فاروق شاركت مرة أخري مع جمال ريان ولكن في نشرة حصاد اليوم بينما كانت الطائرات المقاتلة تفرغ قنابلها علي بعض أطراف المدينة.

كان بيت عمر فاروق بيت كبير العائلة، وبيوت العوائل في الفلوجة يمكن أن يعيش فيها الأب مع أبنائه المتزوجين كل في غرفتين أو أكثر أو شقق منفصلة داخل البيت، وكان واضحاً أن عائلة عمر من العوائل التي خرجت من الفلوجة، وبقي وحده في البيت، حيث أكرمنا بحسن ضيافته في تلك الليلة ونمنا جميعاً في غرفة نومه الكبيرة التي كانت تقع علي السطح في الطابق الأول، اخترت النوم علي الأرض كما أحب دائماً، وحينما مددت يدي في جيوبي لأخرج ما فيها قبل النوم، وجدت علبة صغيرة من البسكويت كان أحد الأطباء قد أعطاها لي صباحاً في المستشفي حتي أفطر عليها لكني وضعتها في جيبي ونسيتها، كما وجدت أشياء أخري كثيرة كان لها تأثير كبير في نفسي في ذلك الوقت، منها قطعة من الشيكولاته الصغيرة أعطاها لي أحد الناس ليعبر عن حبه وتقديره.

يا إلهي!! ليس من السهل أن يجد الإنسان ألفاظاً يكسو بها بعض المعاني الجميلة التي يشعر بها في بعض لحظات الحياة ومنها مثل هذه اللحظات التي يعبر فيها الناس عن حبهم بما تجود به نفوسهم من أشياء تبدو في قيمتها صغيرة لكنها في معانيها كبيرة كبيرة.

.إخراجنا من الفلوجة

حاولت النوم لكني لم أستطع كالعادة، فأصوات الاشتباكات والقصف لم تتوقف طوال الليل، وفي الصباح الباكر جاء منذر، وقابلني وأنا في طريقي من بيت عمر فاروق إلي المستشفي وكنت أسير وحدي وإذا به يقول لي: كيف تمشي وحدك هنا يا أحمد؟ الوضع خطير للغاية وعند المستشفي هناك أشخاص مسلحون وأشكالهم مشبوهة يسألون عنك وينتظرون قدومك، وقد سألتهم ماذا تريدون فلم يخبروني، فبقيت واقفاً معهم حتي ذهبوا وقالوا: سنعود مرة أخري. فجئت لأحذرك . قلت له: لا عليك يا منذر ؟ يجب أن أذهب إلي مبني العيادات الطبية لأن لدينا مشاركة علي الهواء في نشرة الأخبار الصباحية، كما أنه يجب أن أذهب إلي المستشفي أولاً حتي أحصل علي آخر الأخبار .

بقي منذر معي مثل ظلي، وفي المستشفي عرفت أن القصف في الليل كان علي أحياء المعلمين والضباط ومعاوني الضباط والجولان، وكان هناك رجل يقف في حاجة إلي متطوعين وسيارة إسعاف من أجل نقل جثة شقيقه من تحت أنقاض بيته الذي قصفته الطائرات الأمريكية الساعة الواحدة ليلاً في حي المعلمين فانهار عليه.

قمنا بتشغيل جهاز البث والمشاركة في الجزيرة هذا الصباح من فوق مبني العيادات الطبية الذي قمنا بالتغطية من علي سطحه يوم الجمعة، لكن الوضع كان خطراً للغاية في هذا اليوم السبت العاشر من نيسان (ابريل)، والجميع حذرنا من البقاء فوق المبني لا سيما بعدما أطلقت الدبابات الأمريكية النار علينا مساء أمس.عرض علينا عمر فاروق أن ننقل أجهزة البث وكل شيء إلي بيته، لكن المشكلة أننا لن نظهر من فوق السطح وإنما من حديقة البيت، لأننا علي السطح سنكون في خطر مثل الذي نحن فيه هنا.

في هذه الأثناء جاءنا حسين سمير زوج أخت حامد وشقيقه نزار، ليطمئنوا علينا وليؤكد حسين علينا العشاء الليلة عنده في بيته، وساعدونا في نقل الأجهزة والأغراض الثقيلة إلي بيت عمر فاروق، شكرناه علي اهتمامه وعلي دعوة العشاء.

بعد مشاركتي في الجزيرة هذا الصباح وإطلاع مشاهدي الجزيرة علي آخر التطورات في المدينة وما حدث أثناء الليل، ذهبت إلي المستشفي بينما ذهب عبد العظيم إلي مسجد الحضرة المحمدية، لمتابعة وفد مجلس الحكم الذي كان يُنتظر وصوله للتفاوض مع وجهاء المدينة حول شروط وقف إطلاق النار ورفع الحصار الكامل عن المدينة.

كنت أقف خارج المستشفي أجمع المعلومات من بعض أهالي الجرحي والشهداء، بينما كان المسعفون يقومون بتجهيز جثث بعض الشهداء الجدد وتكفينها، حتي يتم دفنها،.... فجأة وجدت يداً تمتد نحوي وتجذبني بلطف من بين الناس، فالتفت فإذا به أحد الأطباء في المستشفي، استجبت له ودخلت معه المستشفي ظناً مني أنه سيطلب مني تصوير بعض حالات الجرحي أو يقدم لي معلومات جديدة، لكنه قال لي: الوضع قلق بالنسبة لك فأرجو ألا تظهر مكشوفاً هكذا، حيث أبلغنا كثير من أهل المدينة بأنهم قلقون عليك، وأن المدينة مليئة بالجواسيس ويمكن بعد اتهامات الجنرال مارك كيميت لك أمس وبعد إطـــــلاق النار الذي تعرض له فريق الجزيرة علي سطح المبني أمــــس أن يتم تصفيتك بشكل أو بآخر لا سيـــما وأنك تتحرك مكشـــوفاً ودون حراسة أو مرافقـــين في المــطقة .

قلت له: ماذا أفعل؟ هذا عملي ويجب أن أقوم به، وأنا لا أستطيع البقاء في مكان مغلق، وعليَّ أن أجمع المعلومات بنفسي من الناس، علاوة علي ما يقوم به الزملاء، أما قدرنا فهو بيد الله وليس بيد البشر . قال: أنا أفهم ذلك، ولكن تعال اجلس معنا قليلاً في الداخل .كانت الغرفة ضيقة للغاية وكان يجلس فيها الدكتور رافع العيساوي مدير المستشفي وبعض الأطباء فرحبوا بي جميعاً وأوسعوا لي مكاناً، بينما كان آخرون يقومون بتضميد الجرحي في الخارج لبعض الحالات التي وصلت صباح اليوم، سمعت تلميحات وأحياناً تصريحات مباشرة من الحضور تشبه تلك التي حدثني عنها الطبيب الذي أخذني، وطلب مني الجميع أن آخذ حذري.

شكرتهم ثم خرجت واستكملت ما كنت أقوم به وعدت بعد ذلك إلي بيت عمر فاروق بعدما اتصل بي الزملاء في الدوحة وطلبوا مني المشاركة في نشرة الأخبار القادمة.كان عبد العظيم قد عاد أيضاً قرب الثانية عشرة بعدما قام بتغطية زيارة وفد مجلس الحكم الذي كان يضم حاجم الحسني نائب عضو مجلس الحكم عن الحزب الإسلامي وممثل عن عضو مجلس الحكم غازي الياور، وممثل عن عضو مجلس الحكم الباجه جي، ومن أهل الفلوجة الدكتور أحمد حردان ممثل الحزب الإسلامي في المدينة والشيخ عبد الله الجنابي الذي أصبح بعد ذلك رئيساً لما عرف بمجلس شوري المجاهدين في الفلوجة، وآخرين، وكان المطلب الأول غير المعلن والذي عرفه عبد العظيم ونقله لي هو ما سبق أن بثته الجزيرة، وما أكَّد عليه بريمر في مذكراته، وهو خروج فريق الجزيرة من الفلوجة، وتحديداً أحمد منصور.

أما الشروط الأخري المعلنة فقد ذكرها بريمر في الصفحة 420 من مذكراته وقال: يجب أن يسلم شيوخ المدينة قتلة رجالنا ونريد أيضاً أسماء المقاتلين الأجانب هناك، وعلي المتمردين التخلي عن أسلحتهم، وإذا أطلقوا النار علينا فسوف نرد. اتصلت بحاجم حاملاً هذا الاقتراح، كانت الساعة 10 و 45 دقيقة صباحاً"، كان هذا صباح الجمعة كما ذكر بريمر لكن الوفد لم يتمكن من الدخول إلي الفلوجة يوم الجمعة بسبب قطع الطريق والقصف الشديد علي المدينة ودخل صباح السبت، وقد زادت وكالتا رويترز والفرنسية شروطاً أخري من بينها: تسليم قائمة من عناصر الشرطة العراقية التي تحولت إلي قتال القوات الأمريكية في المدينة .

من خلال هذه الشروط يتضح أن أياً منها باستثناء إخراج فريق الجزيرة من المدينة أو إيقاف البث ليس في قدرة أهل الفلوجة تحقيقه أو القيام به، كما أنها كلها كانت شروط الاحتلال ومطالبه، وكان هناك إجماع علي أن مهمة الوفد صعبة، وكذلك هذه الشروط صعبة التحقيق، وليس هناك مقابل لأي منها سوي وعد بوقف إطلاق النار الذي لم يتوقف رغم إعلان الجنرال مارك كيميت عنه.

ففي الوقت الذي كان فيه الزميل عبد الصمد ناصر معي علي الهواء مباشرة في نشرة الثانية عشرة ظهراً كانت الطائرات من طراز سي 130 التي تملك قوة نارية هائلة، والطائرات المقاتلة من طراز إف 16 تقوم بقصف المدينة، وحينما سألني عبد الصمد عن سريان وقف إطلاق النار صمت وقلت له: سوف تجيبك هذه الطائرات التي تقصف أنحاء المدينة الآن وأنت معي علي الهواء .

وحاول عبد العظيم الذي كان يقوم بالتصوير بسبب عودة ليث وحسان إلي بغداد أن يلاحق الطائرات بالكاميرا، لكن حركة الطائرات كانت أسرع منه، كما أننا كنا في حديقة المنزل وليس في مكان مرتفع، غير أن أصوات القصف كانت واضحة للغاية.

وفي هذا اليوم لم ينقطع دوي الانفجارات والقصف في أنحاء المدينة، وكانت سحب الدخان الأسود تتصاعد من أماكن مختلفة بعد كل غارة تقوم بها الطائــــرات الأمريكية، وقد نقلت الوكالات عن السرجنت الأمريكي شون هيلي الذي كانت تنتشر وحدته العسكرية في المنطقة الصناعية في الفلوجة في هذا اليوم قوله: الرمايات مستمرة بالكثافة نفسها، كما كانت في الأيام السابقة، المتمردون لا يصدقون أن هناك وقفاً لإطلاق النار والنساء والأطفال لا زالوا يفرون من المدينة .أما المقدم برينان بيرن الذي كانت قواته تقود حصار المدينة وقتال أهلها فقد قال: لم أتلق أية تعليمات بوقف إطلاق النار، سأواصل القتال حتي إشعار آخر .

وأضاف: لا أعرف ما قيل في بغداد، ولم أتلق من قيادتي حتي الآن أي أمر بوقف المعارك .في هذا اليوم تصاعدت المواجهات في أنحاء مختلفة من العراق بين رجال المقاومة والقوات الأمريكية التي حاولت السيطرة علي طريق الإمدادات الذي يربط بغداد بالفلوجة عبر أبو غريب، بينما نفذ معظم أهل بغداد إضراباً تضامناً مع الفلوجة واستجابة للدعوة التي وجهها الدكتور حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين، كما تواصلت المعارك في أماكن أخري كثيرة في الأعظمية وأبو غريب في بغداد، وفي مدن الكوت والحلة والرمادي وبعقوبة والموصل؛ وفي الجنوب كذلك في كربلاء والنجف حيث كان جيش المهدي يواصل تمرده بسبب قرار القوات الأمريكية القبض علي زعيمه مقتدي الصدر.

لكن الحدث الأكبر كان في مدينة سامراء حيث تمكن رجال المقاومة من السيطرة التامة علي المدينة وعلي كل مراكز الشرطة وأسلحتها وأجهزتها وسياراتها ابتداء من يوم الجمعة التاسع من نيسان (ابريل) حيث فرت القوات الأمريكية من داخل المدينة وبقيت محاصرة لها من الخارج وعاجزة عن اقتحامها، لقد كان الوضع كما وصفه بريمر إننا مقبلون علي انهيار مضطرد في العراق.



ليست هناك تعليقات: