آخر المقالات

الأحد، 7 أكتوبر، 2007

معركة الفلوجة.. هزيمة امريكا في العراق -13 ـ 14







احمد منصور يستعيد وقائع معركة الفلوجة.. هزيمة امريكا في العراق -13 ـ 14كنا سببا في افشال مؤامرة ضد الفلوجة وفي حفظ حياة ودماء كثير من الناسالحياد اكذوبة غربية لإخافتنا وأنا منحاز دائما الي ديني وعروبتي وثقافتي وهويتي
06/10/2007


يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق. و القدس العربي تنفرد بنشر فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حولتها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام .القدس العربي

منقول من القدس العربي
06.10.2007



بعد تغطيتي لأحداث معركة الفلوجة وما أثارته من زوابع وعواصف وغضب لدي بوش وأركان إدارته، حتي وصل به الحال إلي التفكير في قصف قناة الجزيرة وبعض مكاتبها، وقعت نقاشات عديدة بين الزملاء داخل قناة الجزيرة وخارجها حول ما يسمي بالحياد في التغطية الإخبارية

الحياد ـ الانحياز

ومصطلح الحياد في تصوري هو أكذوبة وليس له وجود لدي الغربيين الذين يستخدمونه فقط لكي يخيفونا ويهزمونا نفسياً وفكرياً في كل شيء عبر الترويج لمصطلحات هم أبعد الناس عن استخدامها أو الالتزام بها، وعادة ما تكون مصطلحات كبيرة في ألفاظها لكنها خالية من أي مضمون أو معان فعلية، ومنها الحياد الإعلامي . وقد شغلني هذا الأمر وناقشته مع كثير من الإعلاميين الغربيين الذين التقيت بهم فلم أجد لدي أي منهم قناعة علي الإطلاق بما يسمي بالحياد.وفي ندوة داخلية عقدت في قناة الجزيرة، وحضرها كثير من المراسلين ومدراء المكاتب الخارجية وحضرت جانباً منها، وجدت بعض الزملاء يناقشون هذا الأمر في إحدي الجلسات، وانتقد بعض منهم ـ وهذا حقهم ـ تغطيتي لمعركة الفلوجة ووجهوا لي التهم التي وجهها لي الأمريكيون والتي تتلخص بأني لم أكن محايداً في تغطيتي للمعركة، وكانوا يعتقدون أن هذا اتهام لي، ومع ترحيبي الواسع بالنقد الذي يوجهه لي كل الزملاء وغيرهم فقد وقفت للرد عليهم، ففاجأتهم جميعاً وأذهلتهم حينما قلت لهم بشكل واضح: أنا لست محايداً... ولن أكون.. أنا لست محايداً.. ولكني منحاز.. أنا منحاز دائماً للحقيقة وإلي صاحب الحق وإلي الضعيف، وإلي المعتدي عليه، وإلي القيم الإنسانية التي تقوم علي العدل والمساواة.أنا منحاز دائماً ضد الحروب وعمليات القتل للمدنيين والنساء والأطفال وجرائم الحرب التي يرتكبها المعتدون ضد الإنسان في أي مكان في العالم.أنا منحاز دائماً إلي ديني وعروبتي وثقافتي وهويتي.. لن أتخلي عنها في أي موقف مهما كانت الاتهامات التي توجه لي، وحينما يتخلي الصحفي الأمريكي أو البريطاني أو الألماني أو الياباني أو الروسي عن الانحياز إلي دينه وثقافته وهويته وقوميته وأمته فليأتوا وليتحدثوا معنا عن الحياد.هل كان الألف ومئتا صحفي الذين دخلوا العراق علي ظهور الدبابات الأمريكية أثناء غزو العراق واحتلاله في آذار (مارس) ونيسان (ابريل) 2003 محايدين؟ وهل المراسلون الأمريكيون الذين يبثون تقاريرهم وهم يتحركون مع القوات الأمريكية التي تمارس جرائم الحرب في العراق محايدون؟إنهم ليسوا محايدين في أدائهم ولكنهم جميعاً منحازون ويعملون من أجل أمتهم وثقافتهم وهويتهم ودينهم ومؤسساتهم وهم يفخرون بذلك، فلماذا لا نكون أكثر فخراً منهم بما نقوم به؟إن المنهزمين من الإعلاميين العرب الذين ضاعت هويتهم ـ لأن كثيراً منهم أصبح ولاؤه للدولة الغربية أو الشرقية التي يقيم فيها أو التي منحته جنسيتها أو للمؤسسة الغربية التي يعمل بها أو لمن يدفع له مقابل شراء ولائه ـ لا قيمة لهم، بعدما تخلوا عن كل شيء ثم يأتون إلينا ويتحدثون عن الحياد.إنني أقول بكل ثقة ويقين: لا يوجد في الإعلام شيء اسمه (حياد) وإنما توجد (حقيقة)، يجب أن نسعي جميعاً لإظهارها، و(حق) يجب أن ننحاز جميعاً إليه، و(موضوعية) يجب أن نتحلي جميعاً بها، وهذه هي مهمة الإعلامي الأساسية في الحياة، أما الحياد فهو أكذوبة وأؤكد مرة أخري لكم أني لن أكون محايداً علي الإطلاق ولكني سأبقي منحازاً لما أعتقد أنه الحق والصواب .ما إن أنهيت كلمتي حتي ضجت القاعة بالتصفيق الحاد من الجميع عدا بعض الذين كانوا يتشدقون بالحياد ويرددون مقولات الأمريكيين، ثم جاء كثير من الزملاء وحيوني بعد انتهاء الجلسة وقالوا: كلنا نريد أن نقول مثل هذا الكلام وقد عبرت بكلماتك عن كثيرين . وقد دفعني هذا الموقف إلي أن أطرح سؤالاً سيظل يتردد وهو: لماذا لا يملك الناس الجرأة والشجاعة دائماً لكي يجهروا بما يؤمنون به؟وحينما قلت هذا الكلام بثقة لم أكن بدعاً فيه، وقد شغلني بعد ذلك أن أطرح هذا السؤال علي بعض المفكرين والمبدعين والإعلاميين البارزين فوجدت ما قلته كان متطابقاً إلي حد بعيد مع ما سمعته. وعلي سبيل المثال لا الحصر أنقل هنا عبارة سمعتها من المؤرخ العربي البارز الدكتور عبد الوهاب المسيري حينما أثرت مرة معه هذا الموضوع حول مصطلح الحياد في العمل الإعلامي والإبداعي وغير ذلك من المصطلحات التي يسعي البعض لترويجها في إطار تمييع قضايا واضحة، فقال المسيري: إنني لم أبدع في أعمالي إلا حينما تخليت عما يسمي بالموضوعية والحياد ، ونفس السؤال طرحته علي ديفيد سايمون أحد كبار المدراء السابقين في هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي أثناء دورة تدريبية درسني إياها عن دور المراسل التلفزيوني في ساحات الحروب شاهدنا خلالها تغطيات أشهر مراسلي الحروب الذين يعملون لصالح محطات التلفزة الغربية وأساليبهم المتنوعة في التغطية، فقال عن مصطلح الحياد": إن مثل هذه المصطلحات من الصعب الالتزام بها في هذا العالم المضطرب، فما معني الحياد أو عدم الانحياز حينما تري طرفاً ضعيفاً يُقتل وطرفاً متغطرساً يمارس القتل؟ وما معني أن تكون غير منحاز وأنت تري ظلماً يقع وانتهاكات تحدث ومظالم تمارس؟ ما معني أن تكون محايداً في تغطيتك لمثل هذه الأحداث؟! إنك هنا يجب أن تكون منحازاً ليس إلي مجرد نقل الواقع ولكن يجب أن ينقل الصحفي الحقيقة، والحقيقة أوسع في وصفها من مجرد وصف الواقع، إن الحقيقة تعني أن تظهر الجوانب المختلفة للجريمة التي ارتكبت، أو المظلمة التي وقعت، ولهذا فإنه ليس من السهل أن يفعل كثير من الإعلاميين هذا، ولكن هذا ما يجب فعله أن يكونوا منحازين للحقيقة .أما الصحفي الأمريكي سيمور هيرش فقد تعرض لحملة ضارية من قبل بوش وإدارته بعدما كشف عدداً من الفضائح والتجاوزات لتلك الإدارة من بينها فضيحة سجن أبو غريب، حتي إن جورج بوش وصف هيرش بأنه كاذب ، أما دونالد رامسفيلد فقد قال عن هيرش: إنه مثل حركة طالبان ، أما ريتشارد بيرل فقد وصف هيرش بأنه إرهابي ؛ لكن هيرش الذي يعمل لمجلة نيويوركر واجه كل هذه الاتهامات قائلاً: إنني لست محايداً في مهنتي ولكني منحاز.. منحاز ضد الحروب عديمة الفائدة .لكن يبدو أن قرار بوش بقصف قناة الجزيرة ومكاتبها سبقه قرار بقصفنا نحن فريق الجزيرة مساء الجمعة التاسع من نيسان (ابريل) 2004 أثناء تغطيتنا لمعركة الفلوجة

فريق الجزيرة

يتعرض للقصف

صلينا المغرب والعشاء بالفعل جمع تقديم، وبعدما هدأ إطلاق النار قليلاً توجهنا للباب الخلفي والمواجه تقريباً للمجمع الطبي الذي نتخذ من سطحه مقراً لنا، وكان أحد الأطباء الذي كان سيعود هو الآخر للمستشفي الميداني المجاور يقف معنا، وأوصانا أن نكون حذرين في عبور الشارع حيث لا زالت هناك اشتباكات متقطعة.لم ينه الطبيب تحذيره حتي اندلع إطلاق النار بغزارة من جديد لكنه هذه المرة كان صوت رشاشات ثقيلة وبدا لنا أنها كانت رشاشات الدبابات الأمريكية التي تقف علي الضفة الأخري لنهر الفرات، وتمكنت أن أري بسهولة حينما رفعت رأسي للسماء لهبها الأحمر ـ الذي يميزها عن الرصاص العادي ـ، ولكن إلي أين كانت موجَّهة؟!! يا إلهي... إنها كانت موجهة إلي سطح المركز الطبي الذي نتخذه مقراً لنا وحيث كنت أقف طوال اليوم، وحيث تركت الزملاء قبل قليل؟انطلقت بسرعة فائقة فعبرت الشارع ومعي عبد العظيم والطبيب يصرخ بنا أن نحذر من إطلاق الرصاص المنهمر ولكننا لم نحفل بشيء، وحينما دخلنا إلي المبني اتجهنا مسرعين إلي السلم، ولا أعرف كم عدد درجات السلم التي كنت أتخطاها في القفزة الواحدة، وبدا طابق السطح بعيداً رغم أنه كان الرابع، لكن قبل أن أصل للسطح وجدت الزملاء جميعاً متراكمين علي درجات السلم بين الطابق الثالث وطابق السطح، قلت لهم بصوت فَزِع: هل أنتم جميعاً بخير؟ قالوا: الحمد لله، لقد نجونا من موت محقق فقد مرت الرصاصات من فوق رؤوسنا، وكنا وقتها قد فرغنا من صلاة المغرب وبعضنا كان يصلي السنة بين راكع وساجد ولم يكن أحد منا واقفاً في اللحظة التي أطلق علينا فيها الرصاص، ولو كان أحدنا واقفاً أو رافعاً رأسه لأصابته الرصاصات التي كانت تنهمر مثل المطر .ربطت بشكل مباشر بين طلب إخراجنا من المدينة كشرط لوقف إطلاق النار وهجوم الجنرال كيميت عليَّ واتهامه لي بالكذب، وإطلاق النار الذي تعرضنا له من الدبابات الأمريكية التي من المؤكد أنها كانت تدرك أننا نقف من الصباح علي سطح هذا المبني الذي كان الأعلي في المنطقة وكنا نبـــــث من فوقه طوال النهار، وكان تحديد إحداثياته أمراً بغاية البساطة، وبدا أن كل هذه التـــــصرفات عبارة عن حملة مكثفة بكل الوسائل لإخراجــــنا من المدينة، فــــهل كنا حقاً مستهــــدفين؟!! وهـــــل كان هذا نوعاً من الترهيب؟!! الإجابة من المؤكد لدي من أصدر الأمـــــر للدبــابات أن تطلق نيران رشاشاتها علينا في هذا الوقت.وقد أشرت إلي ما حدث في نشرات الأخبار اللاحقة وأعلن في خبر عاجل علي شاشة الجزيرة أن فريق الجزيرة تعرض لإطلاق نار كثيف من قبل الدبابات الأمريكية، لكني طمأنت أهالي كل الزملاء أننا جميعاً بخير، وبقي هذا خبراً رئيسياً في نشرات الأخبار اللاحقة إلي اليوم التالي، بعدها أدركنا ـ دون أن نعلم ما دار بين بريمر وأبي زيد وسانشيز وبلاكويل ثم بوش وبلير ـ أن تغطيتنا لمعركة الفلوجة لا سيما في هذا اليوم كانت مزعجة للقوات الأمريكية إلي حد بعيد، ولكن هذا عملنا ويجب أن نقوم به طالما أننا كنا في المدينة شهوداً علي جرائم الحرب التي ارتكبتها القوات الأمريكية بحق المدنيين العزَّل من أهلها، لا بد أن ننقل للناس الحقيقة أو جانباً منها علي الأقل، لأن الحقيقة كانت أكبر بكثير مما كنا نراه وما كنا نصل إليه أو تصل إليه كاميراتنا، لقد كنا نتحرك في بقعة محدودة بينما كانت المدينة كلها هدفاً للطائرات والدبابات والمدفعية الأمريكية.أدركت حينها أن هجوم الجنرال كيميت عليَّ لم يكن شيئاً تلقائياً، بل كان حلقة في سلسلة من الهجمات والضغوط التي انتهت بخروجي مساء العاشر من نيسان (ابريل) من المدينة ثم من العراق، ثم إغلاق مكتب قناة الجزيرة في بغداد وخروج جميع الزملاء من كل العراق بعد ذلك في شهر آب (اغسطس) عام 2004 ، وإلي أن يفكر الرئيس بوش بعد ذلك بأيام ليس بقصف فريق الجزيرة في الفلوجة وإنما بقصف مقر قناة الجزيرة في الدوحة وبعض مكاتبها في الخارج وذلك في الاجتماع الذي عقد بينه وبين رئيس الوزراء البريطاني توني بلير أثناء زيارة بلير لواشنطن في 16 نيسان (ابريل) 2004.أدي هجوم كيميت عليَّ في ذلك اليوم إلي أن يتصل كثير من المشاهدين والأصدقاء والزملاء من المحبين بإدارة الجزيرة ليطلبوا منهم إخراجنا من الفلوجة حفاظاً علي أرواحنا بعدما أصبحنا هدفاً للقوات الأمريكية، وكانت أغلبية الآراء تحمل قدراً كبيراً من الحب والإخلاص والمودة وتري أن الحفاظ علي حياتنا أهم من خبر تنفرد به الجزيرة أو طاقمها. لكني كنت أري أن القضية ليست قضية انفراد أو نجومية للجزيرة ولنا، ولكنها كانت رسالة إنسانية، فالحقيقة التي تنقلها الكاميرا ثبت أنها تحفظ قدراً كبيراً من حياة الناس، وتشكل إدانة كاملة للمجرمين الذين يرتكبون الجرائم، وما دام قدر الإنسان محتوماً وعمره مقدوراً فمن أين يفر المرء من قضاء الله؟ فملايين الناس يموتون كل يوم في الحوادث ومن الأمراض وحتي دون شيء وهم يجلسون آمنين وسط أهاليهم ومحبيهم، فهل هناك أشرف وأفضل من أن يموت الإنسان في ساحة مثل هذه! لقد اكتشفت بعد خروجي من العراق أني كنت رفيق المشاهدين في بيوتهم وأصبحت جزءاً من حياتهم، وأن الله قد ملأ قلوب كثير من الناس بالحب لي رغم أنهم لا يعرفونني ولا أعرفهم بل كان منهم كثيرون ممن ينتقدونني أو لا يتفقون معي، وكان كثيرون منهم يفتحون التليفزيون وقت كل نشرة أخبار حتي يطمئنوا عليَّ وعلي الزملاء، أما أصدقائي وأحبائي ومعارفي فقد كنت همهم بالليل والنهار، وأخبرني أحد المشاهدين أنه كان يتصل من أي مكان هو فيه خارج المنزل بزوجته ليطلب منها أن تفتح الجزيرة كل ساعة وقت نشرة الأخبار لتطمئنه أني لا زلت وفريق الجزيرة بخير.من يستطيع أن يشتري هذا الحب ولو كان يملك كل مال الدنيا؟ لكن الله سخرنا أيضاً أنا والزملاء في ذلك الوقت حتي نكون سبباً في حفظ حياة ودماء كثير من الناس، وأن نفشل تلك المؤامرة التي كانت تحاك ضد الفلوجة حسب وصف وزير الدفاع البريطاني السابق بيتر كليفويل، وأن نفضح الهمجية الأمريكية التي لم تراعِ حرمة طفل أو شيخ أو امرأة، تلك الهمجية التي لم تكن تحمل لأهل الفلوجة سوي روح الانتقام.إغلاق مكتب العراقفي أعقاب تسلل بول بريمر وخروجه بعد انتهاء مهمته بطريقة انهزامية من العراق في 28 حزيران (يونيو) من العام 2004 ، أوكلت قوات الاحتلال حكومة إياد علاوي بأن تكون وجهاً مدنياً لسلطات الاحتلال في العراق، ووظفت في الحكومة كثيراً ممن تعاونوا معها علي ترسيخ احتلالها من العراقيين علي رأسهم إياد علاوي، وكان من الطبيعي أن تكلف حكومة علاوي بكثير من المهام التي كانت تخجل سلطات الاحتلال من القيام بها، وكان علي رأس هذه المهام إغلاق مكتب قناة الجزيرة في بغداد، لأن سلطات الاحتلال لو قامت هي بهذا بشكل مباشر لكان أثار ردود فعل عالمية كون الأمريكيين الذين يتشدقون بالديمقراطية وحرية الإعلام والتعبير هم الذين يمنعون الجزيرة من العمل والتغطية.لذا بدأت حكومة علاوي بالتضييق علي عمل قناة الجزيرة في العراق منذ أن تسلمت السلطة بعد رحيل بريمر في 28 حزيران (يونيو) من العام 2004 ، وكان واضحاً أن إغلاق مكتب الجزيرة هو أول المهام التي كلفت بها؛ لذا كان قرار علاوي بإغلاق مكتب الجزيرة هو أول القرارات التي اتخذها، وكان ذلك بعد خمسة أسابيع فقط من توليه السلطة من قبل سلطات الاحتلال، حيث أصدر قراره في 7 آب (اغسطس) 2004 بإغلاق مكتب قناة الجزيرة لمدة شهر ثم مدد مدة الإغلاق ثم أغلقه بشكل دائم.وقد عقد إياد علاوي مؤتمراً صحفياً في 7 آب (اغسطس) أعلن فيه أن لجنة تولت مراقبة الجزيرة خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة ـ أي منذ توليه السلطة ـ فأكدت أنها تحرِّض علي العنف والكراهية وأن هذا القرار ـ علي حد زعمه ـ اتخذ لحماية الشعب العراقي .وبعد اتخاذ القرار بإغلاق مكتب قناة الجزيرة في بغداد أثني وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد علي ما قام به علاوي خلال كلمة ألقاها مساء نفس اليوم في ولاية شيكاغو الأمريكية، وقد أعطي ثناء رامسفيلد مؤشراً إلي أن علاوي كلف بالقيام بإغلاق مكتب قناة الجزيرة ضمن حزمة قرارات كبيرة كلفه الأمريكيون بها نفذ كثيراً منها خلال توليه السلطة، وكان إغلاق مكتب قناة الجزيرة علي رأسها.وكان وزير الخارجية في حكومة علاوي هوشيار زيباري قد مهد لإغلاق المكتب من خلال اتهامات وجهها للجزيرة في شهر تموز (يوليو) مدعياً أن نهجها يمثل انحرافاً في معالجة الأحداث في العراق مهدداً بإغلاق المكتب، وأصدرت الجزيرة بياناً في 25 تموز (يوليو) 2004 اعتبرت فيه تصريحات زيباري تمثل تهديداً وتحريضاً ضد قناة الجزيرة ومراسليها، وسرعان ما أصدر علاوي قراره قبل أن يذهب إلي واشنطن حيث احتفي به بوش، لأنه خلصه من قناة الجزيرة التي كان يخطط بوش قبل أسابيع كي يدمرها علي رؤوس من فيها، ولكن بقي أمام علاوي مهمة أكبر هي المساعدة في تدمير المدينة التي هزمت بوش وجنوده؛ مدينة الفلوجة

الجنرال يعرض

والقناة تشتري

ومرت الأيام حتي جاء شهر نيسان (ابريل) من العام 2006 بعد عامين بالتمام علي معركة الفلوجة الأولي، وفوجئت باتصال هاتفي من الزميل سعيد الشولي، الذي كان نائباً لرئيس التحرير أثناء تغطيتي لمعركة الفلوجة وكان علي تناغم كبير معي في تغطية الأخبار آنذاك إلي حد بعيد، وقال لي سعيد الذي أصبح بعد ذلك مديراً للبرامج: هل تذكر الجنرال مارك كيميت يا أحمد؟ قلت له: نعم أذكره هذا الذي اتهمني بترويج الأكاذيب من الفلوجة؟ قال وهو يضحك: نعم ، قلت له: ما شأنه؟ . قال: سيأتي في أول الأسبوع القادم إلي الدوحة، وعرض مستشاره الإعلامي إجراء حوار تليفزيوني له في أحد برامج الجزيرة فكنت أول من خطر ببالي وقلت لهم: إذا كنتم تريدون حواراً مع الجزيرة فأفضل برنامج لكم هو بلا حدود مع أحمد منصور، وأعرف أنك العدو اللدود له فما رأيك؟ . قلت له: كيف كان ردهم عليك حينما أخبرتهم؟ قال: قالوا إذا كان المحاور هو أحمد منصور فأعطنا فرصة ندرس الأمر ثم نرد عليك . قلت له: لا أعتقد أنه سيقبل كما أني بحاجة إلي أن أفكر أيضاً في الأمر .فكَّرت في الأمر قليلاً ثم قررت رفض إجراء الحوار، فقد كنت أخشي من شخصنة المسائل في الحوار لا سيما وأنه كان بيننا ما كان، ثم قررت استشارة الشيخ حمد بن ثامر رئيس مجلس إدارة الجزيرة وكذلك الزميل وضاح خنفر مدير قناة الجزيرة في الأمر. وبالفعل اتصلت بالشيخ حمد وأبلغته، فإذا به يرحب جداً بالحوار، وقال لي: رفضك ليس في محله، ويمكنك أن تجري حوارك بمهنية عالية، كما تعودنا منك، ولا تدفع الأمور إلي الشخصنة علي الإطلاق، وتتجنب الدخول معه في مواجهة حول ما كان بينكما في الفلوجة قبل عامين، كما أن حوارك معه سيكون مثيراً للغاية لأن الجميع تابع ما دار بينكما أثناء معركة الفلوجة، لكن المهم أن يقبل هو بإجراء الحوار معك، وأنا أري أنه إذا قبل فلا تتردد أنت .تكلمت مع وضاح أيضاً وشرحت له الأمر فكان رأيه مثل رأي الشيخ حمد وحفزني علي إجراء الحوار، فاعتبرت الأمر تحدياً كبيراً لي، ويجب أن أعد نفسي لتلك المواجهة المباشرة التي جاءت في ذكري مرور ثلاث سنوات علي غزو أمريكا واحتلالها للعراق.شعرت بعد المكالمتين أني بالفعل كنت كمن يعد نفسه لمعركة، ولكن السلاح فيها هو المعلومة وقوة الحجة والأعصاب والقدرة علي المراوغة والتكتيك، فالشخصية التي أمامي ليست متمرسة علي العمل العسكري فحسب، ولكن من الذين يتعاملون مع الصحافة في الغرب من سياسيين وعسكريين غالباً ما يحصلون علي دورات تدريبية عالية في كيفية التعامل مع الصحفيين، كما أن هذا الرجل ظل علي مدي ثلاثة أعوام يواجه عشرات الصحفيين مجتمعين في المؤتمرات الصحفية أو منفردين في الحوارات، ويعرف كيف يراوغ ويناور في إجاباته معهم، وكان عليَّ أن أدرس جانباً من حياته وشخصيته حتي أعرف كيف أتعامل معه وجهاً لوجه، وأذكر أني حينما التقيت به سألته بعض الأسئلة الخاصة عن حياته حتي عن وظيفة والده فأجابني وهو متعجب من أسئلتي.أدركت أن تأخر الجنرال كيميت في الرد يعني أنهم يدرسون أمر إجراء الحوار معي علي مستويات عليا، فلدي معهم سجل حافل وإن لم يكن أسودَ في مفهومهم ونظرتهم لمن لا يعملون معهم أو يروجون لأفكارهم ومشاريعهم، فهو غير ودي علي أقل تقدير، فهم يُحَمِّلوني ـ كما نقل لي البعض ـ جانباً من مسؤولية فشلهم في معركة الفلوجة الأولي من خلال فضحي للجرائم التي قاموا بارتكابها لا سيما قتل النساء والأطفال، وإمكانية فشل العملية السياسية في العراق ككل في ذلك الوقت ـ كما نقلت لي مصادر عديدة التقت بمسؤولين كبار لديهم أو لدي الذين يعملون معهم ـ بل إن الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر صرح بذلك مباشرة في مذكراته وقال: إن العملية السياسية في العراق كادت تفشل كلها بسبب أحداث الفلوجة، وكان توقعي لقبول كيميت إجراء الحوار معي ضعيفاً للغاية، ولكن المفاجأة كانت في وصول الرد بالموافقة، لقد قبل كيميت التحدي ووافق علي إجراء المقابلة.وبقيت هناك مشكلة أخري ولكن فنية، هي أن برنامجي يبث علي الهواء وكل أربعاء لكن الجنرال سيصل إلي الدوحة لمدة يوم واحد فقط، وسيكون يوم الأحد، فلا مجال سوي لتسجيل الحلقة، وبثها يوم الأربعاء، قالوا: ما رأيك؟ ورغم أني لا أقبل بالتسجيل إلا للضرورات القصوي وأن تكون ظروف الضيف لا تسمح بغير ذلك، وأن التسجيل معه سيكون إضافة لبرنامجي وللمشاهدين لذلك قلت لهم: لا بأس، وقبلت بالتسجيل.وأبلغت وضاحاً بظروف الجنرال وأنه لا مجال أمامي سوي التسجيل معه، فلم يمانع، وجاء الجنرال مارك كيميت إلي مقر الجزيرة في الدوحة يرافقه ثلاثة هم: السيد بوب بروشا، والكابتن أريك كلارك، وبيج فوسان، وكان الجنرال يرتدي زيه العسكري الرسمي، وكان ذلك يوم الأحد الثاني من نيسان (ابريل) من العام 2006 ، حيّاني وقال لي مجاملاً وهو يحاول كسر الحاجز النفسي بيننا: تبدو أكثر أناقة عما كنت أراك علي التليفزيون أيام الفلوجة ، قلت له: شكراً يا جنرال ، ثم سألته عما إذا كان يريد الاستراحة قليلاً أم نبدأ حوارنا، فقال: أنا جاهز مباشرة للحوار ولكن دعني أقرأ هذه أولاً . التفت لما يريد الجنرال قراءته فوجدت بعض نصوص ميثاق الشرف الإعلامي الذي أعدته قناة الجزيرة كان معلقاً علي الحائط، ومكتوباً باللغة الإنجليزية، بدأ الجنرال يقرأ بصوت عالٍ بعض الفقرات ويهز رأسه بأسلوب ينم عن التهكُّم، فلم أعلِّق وتركته يكمل قراءته حتي جاء الزميل موفق فائق توفيق الذي عادة ما يقوم بالترجمة وقدم نفسه لكيميت، فعرفه كيميت من صوته وقال له: دائماً أنت الذي تقوم بالترجمة لي في لقاءاتي مع الجزيرة أعرف صوتك . ذهبنا بعد ذلك إلي الاستديو، وكان فريق العمل في انتظارنا، ودار نقاش بسيط بيني وبين الجنرال كيميت، ثم قال لي في حضور كل الزملاء وسمعه كل من كان في الاستديو لأن ذلك كان قبل التسجيل مباشرة وقد أعاد موفق ترجمته لي وللزملاء بإعجاب حيث قال كيميت لي: أود أن أقول لك شيئاً قبل أن نبدأ الحوار، أنا أختلف معك دائماً، وكنت أختلف مع كل ما تقدمه من تغطيات أثناء معركة الفلوجة لكن أرجو أن تسمح لي بأن أعبر لك عن عميق احترامي وتقديري لك ولشجاعتك لا سيما أثناء وجودك في الفلوجة .لم أنتظر من الجنرال كيميت أي شيء من هذا القبيل ولم أتوقعه ولا أعتقد أنه كان مضطراً لقوله، لكن الفضل دائماً ما شهدت به الأعداء، لقد كان الجنود الأمريكيون يقاتلون علي الأرض ضد رجال المقاومة العراقية وكنت والجنرال كيميت نقاتل ولكن من علي شاشات التلفزة دون سلاح، لم أكن أضعه وقتها أمامي علي الإطلاق، كنت فقط أسعي لتقديم الحقيقة إلي الناس، بينما كان هو يدافع عن جرائم حرب ترتكبها قواته في الفلوجة بحكم وظيفته ويقول إنها كانت دفاعاً عن النفس، وها هو يجمعني الله به في لقاء لم أتوقعه بعد عامين ليقول لي وأمام جميع الزملاء ما جعلني أدرك أني كنت علي صواب فيما أقدم، ولم أكن أروِّج الأكاذيب كما اتهمني علي شاشة الجزيرة، وأني أجبرته وأجبرت كثيرين من المختلفين معي علي احترامي واحترام ما كنت أقوم به، والاحترام دائماً لا يُشتري بأي مبلغ من المال ولا يطلب من أحد ولكنه يفرض، وأعلي درجات الاحترام أن تجبر من يختلف معك بل ويكرهك علي أن يحترمك ويقدر شجاعتك، لأنك كنت تقوم بشيء أساسي هو اعتناق الحقيقة وتقديمها للناس.قلت له: شكراً يا جنرال لكن ذلك لن يغير شيئاً من المعركة التي سأقوم بها الآن معك، كنت وقتها تقوم بعملك وأنا كذلك كنت أقوم بعملي . ورغم أن ملامحه كانت جامدة للغاية إلا أنه ابتسم ابتسامة باهتة وخفيفة، وقال لي: اسأل ما شئت ليس لديَّ مانع من الإجابة علي أي سؤال .وكانت هذه المعركة مع الجنرال كيميت وثيقة وليست مجرد حوار، حيث كانت ـ والحمد لله ـ كما توقع الشيخ حمد بن ثامر ووضاح خنفر وسعيد الشولي بل والمشاهدون الذين تابعوها ووافوني بمئات الرسائل والتعليقات عليها من أقوي الحلقات التي قدمتها في برنامج بلا حدود ، يوم 5 نيسان (ابريل) 2006

ليست هناك تعليقات: