آخر المقالات

الاثنين، 8 أكتوبر، 2007

معركة الفلوجة.. هزيمة امريكا في العراق -14 ـ 14


احمد منصور يستعيد وقائع معركة الفلوجة.. هزيمة امريكا في العراق -14 ـ 14فجأة خيم شبح الصومال علي البيت الأبيض وتأكدت مخاوف التورط العسكري طويل الأمد
08/10/2007



منقول من القدس العربي
08.10.2007

يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق. و القدس العربي تنفرد بنشر فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حولتها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام .وبهذه الحلقة تنهي القدس العربي نشر الفصول التي اختارتها من كتاب معركة الفلوجة القدس العربي

لم أصادف جندياً أمريكياً واحداً في طريق خروجي من مدينة الفلوجة مساء السبت العاشر من نيسان (ابريل) 2004 حتي وصولي إلي داخل العاصمة العراقية بغداد بعد ما يقرب من أسبوع من الحصار عشته مع أهلها. فقد كان عشرات من أفراد المقاومة العراقية ينتشرون في الأحياء الخارجية للفلوجة وعلي أطراف المدينة وعلي كافة الطرق المؤدية إلي العاصمة بغداد في مسافة تزيد عن ثمانين كيلومتراً حيث سلكنا طرقاً فرعية أثناء خروجنا منها، ثم مررت ببعض الطرق الرئيسية، حتي أنني حينما وصلت إلي أطراف بغداد مع دخول الليل كان هناك أناس مسلحون من المقاومة هم الذين ينظمون حركة السير في الشوارع

بغداد

أما طريق المطار الذي قامت القوات الأمريكية بارتكاب جريمة كبري في حقه وحق العراق من خلال إزالتها لأشجار النخيل والأشجار الأخري من علي جانبيه وجزيرته الوسطي خلال الأشهر الأولي التي تلت احتلالها للعراق، فإن عدد الآليات العسكرية الأمريكية التي شاهدتها مدمرة عليه من ناقلات جند ودبابات وسيارات وشاحنات كان من الصعب عليَّ القيام بإحصائها، وكذلك طريق ذراع دجلة الذي أصبح الطريق الرابط بين بغداد وعمان بعدما أغلقت القوات الأمريكية الطريق الدولي الرئيسي منذ بداية العمليات ضد الفلوجة مساء الرابع من نيسان (ابريل) 2004 . فطريق ذراع دجلة الذي يزيد طوله عن مئة وخمسين كيلومتراً لم يكن للقوات الأمريكية عليه أي وجود في ذلك الوقت وأصبحت المقاومة تسيطر عليه بالكامل بعدما كان أحد طرق القوافل والإمداد الرئيسية للقوات الأمريكية.أما داخل مدينة بغداد فإن أحياء كاملة مثل الأعظمية لم تعد القوات الأمريكية تستطيع دخولها إلا بقوات كثيفة لكنها لا تنجو من هجمات المقاومة التي أصبحت تسيطر بشكل بارز وعلنيّ علي معظم أنحاء الحي حيث أطلق عليه السكان مسمي الأعظمية المحرَّرة ، وكذلك حي أبو غريب حيث أصبحت المقاومة هي التي تنظم السير والحركة فيه، وفي كثير من الأحيان تسيطر علي الطريق الرئيسي الدولي حتي إن القوافل الأمريكية لم تكن تأمن أن تمر من الطريق بسهولة، وأصبحت قوافلها العسكرية هدفاً سهلاً للمقاومة علي هذا الطريق. كذلك كان من الطبيعي أن تري الدخان يتصاعد علي مدار اليوم من آليات وشاحنات أمريكية أو شاحنات تعمل مع القوات الأمريكية وتستخدم هذا الطريق.ويستطيع كل من كان يعيش في بغداد في ذلك الوقت أن يحصي يومياً في إطار الحي الذي يقيم فيه ـ علي اعتبار الامتداد الواسع للمدينة ـ بين خمسة إلي عشرة انفجارات في اليوم الواحد، معظمها أو كلها هجمات تستهدف القوات الأمريكية. أما المنطقة الخضراء، وهي مقر القصور الرئاسية التي بناها صدام حسين وسط بغداد في مساحة تزيد علي عشرة كيلومترات مربعة والتي اتخذتها القوات الأمريكية مقراً لقيادتها بعد احتلالها للعراق ثم قامت بعد ذلك ببناء أكبر سفارة أمريكية لها في العالم في أجزاء منها، فإن استهدافها علي مدار الساعة أصبح أثناء وبعد معركة الفلوجة الأولي شيئاً عادياً، كما أن سحب الدخان أصبحت تتصاعد منها بعد كل هجوم بشكل شبه يومي. وأشارت تقارير كثيرة نشرت في تلك الأيام إلي أن المسؤولين الأمريكيين فيها أصبحوا يقيمون بشكل دائم في الغرف الآمنة التي بناها صدام تحت الأرض في هذه القصور، وقد أشار بول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق إلي ذلك أكثر من مرة في مذكراته.إن ما حدث بعد معركة الفلوجة الأولي كان هزيمة وانهياراً عسكرياً شبه كامل للقوات الأمريكية ووجودها في العراق، وكان لا بد من الهدنة التي أعلنوا عنها ليس من أجل السماح للمدنيين بالخروج من المدينة أو منحهم فرصة لدفن الشهداء ومداواة الجرحي كما ذكر بريمر، ولكن من أجل محاولة إعادة السيطرة علي الوضع العسكري الأمريكي المنهار مرة أخري، فقد كان المشروع الأمريكي كله في العراق كما قال بريمر في مذكراته علي وشك الانهيار

حصار القوات الأمريكية

عندما قامت القوات الأمريكية بفرض حصارها علي مدينة الفلوجة مساء الرابع من نيسان (ابريل) 2004 قامت قوات المقاومة العراقية الموجودة في القري والمدن المجاورة بتطويق القوات الأمريكية المحاصرة للمدينة من الخلف وانهالت عليها بالصواريخ ومدفعية الهاون من اليوم الأول، وقطعت معظم طرق الإمداد لفرقة المارينز الأولي المكلفة بحصار المدينة، ودمرت كثيراً من سيارات قوافل الإمداد والتموين المتجهة إلي مواقع القوات الأمريكية التي تحاصر الفلوجة، واستولت علي محتويات بعضها. وقام كثير من فرق التصوير التلفزيونية بنقل هذه الصور للعالم في حينها.كما سلكت المقاومة سلوكاً جديداً تمثل في اختطاف بعض سائقي الشاحنات التي توفر الإمدادات للقوات الأمريكية وعرضوهم أمام شاشات التلفزة ليكونوا عبرة وتحذيراً لغيرهم فتمكنوا بذلك من بث الرعب في نفوس السائقين الذين يقومون بنقل الإمدادات لتلك القوات، وهؤلاء يعملون مع شركات نقل تعمل في الدول المجاورة للعراق.كما أن المقاومة نجحت في تحييد الطائرات المروحية الأمريكية المقاتلة والتي كانت تقوم بدور هام في المعارك منذ سقوط نظام صدام حسين في 9 نيسان (ابريل) 2003 ، حيث نجحت المقاومة بإسقاط عشرة منها خلال أسبوع واحد في محيط مدينة الفلوجة وحدها، مما دفع بالقوات الأميركية إلي استخدام طائرات إف 16 وسي 130، في عمليات قصف انتقامية للمدينة ومحيطها، مستخدمة أسلحة محرمة دولياً مثل القنابل العنقودية ـ كما قال كثير من شهود العيان ومصادر طبية ـ وقد أدي ذلك إلي مقتل وإصابة ما يزيد علي ألف وسبعمئة من السكان المدنيين في الفلوجة أكثر من نصفهم من النساء والأطفال.وقد دفع هذا السلوك الأمريكي الغاشم المقاومة في كافة المدن العراقية إلي أن تهب لنصرة الفلوجة من ناحية ومن ناحية أخري إضعافا للقوات الأمريكية التي فقدت الهيبة العسكرية والسيطرة والقدرة علي اقتحام المدينة عدة مرات، وبدت منهارة من خلال تصريحات كثير من المسؤولين العسكريين والسياسيين، حيث ظهر الرئيس الأمريكي جورج بوش في الحادي عشر من نيسان (ابريل) 2004 أمام بعض عائلات ضحايا العمليات العسكرية في العراق في قاعدة فورت هود في تكساس وقال لهم بأسي: لقد واجهت قواتنا أسبوعاً قاسياً... وأنا أصلي كل يوم من أجل أن تتراجع الخسائر .أما وزير الخارجية كولن باول فقد اعترف أمام لجنة نوعية بمجلس الشيوخ الأمريكي في التاسع من نيسان (ابريل) 2004 بأنه يشعر بالقلق وأن القوات الأمريكية تواجه مقاومة عنيفة في الفلوجة ومدن أخري، وأن: المواجهات المسلحة مع الشيعة والسنة في العراق أقوي مما كان متوقعاً . واعترف بأن: القوات الأمريكية تمر بوقت صعب .وكان البنتاغون قد اعترف بمقتل اثني عشر جندياً عراقياً في الرمادي عاصمة محافظة الأنبار والتي تقع علي بعد أربعين كيلومتراً من الفلوجة مساء الثلاثاء السادس من نيسان (ابريل) 2004 بعد معارك وصفها بـ الشرسة وقعت بعد هجوم علي قاعدتهم في قلب المدينة، وكنا في قناة الجزيرة سباقين ومنفردين بإعلان الخبر قبل يوم كامل من تأكيد البنتاغون عليه، لكن محطة سكاي نيوز الإخبارية التلفزيونية أكدت من مصادرها في البنتاغون أن العدد الحقيقي للجنود الذين قتلوا في الرمادي وحدها يوم الثلاثاء السادس من نيسان (ابريل) 2004 هم مئة وثلاثون جندياً أمريكياً بعد هجوم مفاجيء بالهاون علي قاعدتهم التي كان يتواجد فيها أكثر من ألف جندي أمريكي كانوا محتشدين حينما وقع القصف.وكنت وقتها في الفلوجة أتابع تفاصيل المعركة علي الهاتف منذ اندلاعها مع مراسل الجزيرة في الرمادي الزميل حسام علي الذي بقي عدة ساعات محاصراً مع المصور في أحد أسواق المدينة بين القوات الأمريكية والمقاومين الذي أوقعوا إصابات كبيرة في القوات الأمريكية، وكان يبلغنا بتفاصيل ما يحدث لحظة بلحظة قبل اعتراف القوات الأمريكية في النهاية بشراسة المعركة، حيث تم الهجوم علي مركز القوات الأمريكية في القصر الشمالي في المدينة.وبثت قناة الجزيرة الأخبار في حينها أولاً بأول وحققنا سبقاً إخبارياً بها، أكده البنتاغون بعد ذلك، وكان الرد الأمريكي العنيف علي سكان المدينة يعكس حجم الخسارة التي مني بها الأمريكيون هناك. وما حدث في الرمادي حدث في معظم مدن ما يطلق عليه المثلث السنّي، مما جعل الجنرال ريكاردو سانشيز قائد القوات الأمريكية في العراق آنذاك يعترف في الثامن من نيسان (ابريل) 2004 بأن: قوات التحالف فقدت السيطرة علي مدينتي النجف والكوت في الجنوب، لكن الحقيقة أنه كان يحاول أن يخفي بهذا فقدان السيطرة علي الفلوجة، بل والعجز عن اقتحامها والسيطرة عليها، وكذلك مدن أخري كثيرة في المثلث السنّي مثل مدينة سامراء التي وقعت يوم الجمعة التاسع من نيسان (ابريل) بأيدي المقاومة بالكامل واضطرت القوات الأمريكية إلي أن تخرج منها وتحاصرها من الخارج، حيث أدي صمود الفلوجة إلي سقوط هيبة الجندي الأمريكي حتي لدي الأطفال العراقيين الذين شاهدت بعضهم في شوارع الفلوجة وهم يحملون أسلحة خفيفة أطول من أجسادهم يدافعون بها عن المدينة ويتحدُّون القوات الأمريكية المدجَّجة بالسلاح، ولعل هذا يفسر السر وراء طلب القوات الأمريكية الهدنة ووقف إطلاق النار في الفلوجة يوم الجمعة التاسع من نيسان (ابريل) رغم كل ما تمتلكه من سلاح وقوة عسكرية

ورطة الجيش العراقي الجديد

كذلك انعكست هزيمة الأمريكيين علي القوات العراقية التي قاموا بتأسيسها لتكون عوناً لهم ضد الشعب العراقي، مثل الجيش الجديد والقوي المساعدة له التي أطلق عليها اسم الدفاع المدني ، ومثل الشرطة العراقية المناط بها ضبط الأمن الداخلي للمدن، حيث أُسَّسَتْ من الجيش العراقي أربع كتائب حتي ذلك الوقت.وكان من المقرَّر أن يتم تدريب عشرات الآلاف من الشرطة، مع خمسة عشر ألفاً من الدفاع المدني، لكنَّ الجميع وقفوا موقف المتفرج بعدما أصبحوا هدفاً للمقاومة حيث بلغ عدد منتسبي الشرطة العراقية الذين قتلوا خلال عام واحد أكثر من سبعمئة، أي أكثر من العدد الرسمي المعلن حتي ذلك الوقت من القتلي الأمريكيين.كما أن المقاومة الإسلامية الوطنية ـ كتائب ثورة العشرين وزَّعت بياناً في بغداد في العاشر من نيسان (ابريل) 2004 يطلب من منتسبي الشرطة العراقية ترك أماكنهم خلال أسبوع وإلا أصبحوا هدفاً للمقاومة شأنهم شأن القوات الأمريكية، فيما أخذت فصائل مقاومة أخري قرارات سابقة باستهداف الشرطة علي أنهم أعوان للمحتل مثل أنصار الإسلام و أنصار السنة .ثم جاءت النكبة الكبري للقوات الأمريكية والتي تمثلت في رفض كتيبتين عراقيتين من كتائب الجيش الجديد الأربع المشاركة في دعم القوات الأمريكية في حربها ضد أهل الفلوجة، فإحدي الكتيبتين وهي الكتيبة الثانية المؤلفة من ستمئة وعشرين فرداً رفضت التوجه للفلوجة.ونقلت صحيفة واشنطن بوست في الحادي عشر من نيسان (ابريل) 2004 عن الميجور جنرال باول إيتون الذي يشرف علي تطوير قوات الأمن العراقية قوله: إن الكتيبة رفضت التوجه للفلوجة من أجل دعم مشاة البحرية الذين يخوضون قتالاً شرساً للسيطرة علي المدينة ، وقال الجنود العراقيون التابعون للكتيبة للجنرال باول إيتون إنهم لم يتعاقدوا مع الأمريكيين من أجل قتال إخوانهم العراقيين.وقالت واشنطن بوست : إن الجنرال لم يعتبر ما حدث تمرداً عسكرياً وإنما وصفه بأنه إخفاق قيادي . وقد أشارت مصادر صحفية إلي أن القوات الأمريكية حاصرت الكتيبة عدة أيام بعد رفضها للأوامر العسكرية.هذا بالنسبة للكتيبة الثانية، أما الكتيبة الأولي فقد قبل أفرادها الأمر بتململ، لكن القادة الأمريكيين فوجئوا بأن الجنود والسائقين العراقيين بعدما أخذوا مواقعهم علي ظهور السيارات والشاحنات العسكرية فرَّ السائقون هاربين في البداية، ثم فرَّ كثير من الجنود وراءهم وسط دهشة عارمة من القادة الأمريكيين المشرفين علي الجيش العراقي الجديد.أما الشرطة العراقية فقد اتهمتها سلطات الاحتلال قي تقرير بثته وكالة الأنباء الفرنسية في الثاني عشر من نيسان (ابريل) 2004 بأنها تضامنت مع المقاتلين وأمدتهم بالسلاح ، وقُبض بالفعل علي عشرات من رجال الشرطة بتهمة التعاون مع المقاومة، وأظهر التقرير أن بين خمسة وعشرين إلي ثلاثين في المئة من قوات الشرطة والدفاع المدني قد تمردت وانضمت للمقاومة ، كما أن مليشيات مقتدي الصدر تمكَّنت بسهولة بالغة من السيطرة علي مراكز الشرطة في مدينة الصدر والنجف والكوفة، كما أكَّدت قوات الاحتلال أنها رأت كثيراً من عناصر الشرطة يصوِّبون بنادقهم باتجاه قوات الاحتلال. وقد شاهدتُ أنا بعينيّ وكلُّ من تابع أحداث معركة الفلوجة الأولي أن المقاومة استولت علي معظم سيارات الشرطة والدفاع المدني في أماكن كثيرة من العراق سواء في المدن خارج بغداد أو حتي في بعض أحياء العاصمة بغداد نفسها.وكان الأمر واضحاً تماماً في الفلوجة وأبو غريب وسامراء ومدينة الصدر والنجف والكوفة والكوت، وبهذا كما يقول المراقبون تكون الولايات المتحدة قد أخفقت بعد عام كامل من الاحتلال في تشكيل قوة شرطة قوامها خمسة وثمانون ألف شرطي وقوات للدفاع المدني تابعة للجيش قوامها خمسة عشر ألف جندي وأن كثيراً من هؤلاء في النهاية لم يصوِّبوا أسلحتهم ضد إخوانهم العراقيين وأن من يصوِّب سلاحه باتجاه العراقيين فإنه سوف يلحق بالسبعمئة الذين قتلوا من الشرطة في العام الأول من الاحتلال

قائد القوات الأمريكية يطلب إمدادات

أما الجنرال جون أبي زيد قائد القوات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ـ آنذاك والذي سبق أن حاولت المقاومة العراقية اغتياله في مدينة الفلوجة في 12 شباط (فبراير) 2004 مما جعل بينه وبين الفلوجة ثأراً خاصاً ـ فقد عبَّر عن عمق الأزمة التي تعيشها القوات الأمريكية في العراق حينما طالب البنتاغون في الثاني عشر من نيسان (ابريل) 2004 ، أي بعد أسبوع واحد من حصار الفلوجة وبداية معركتها الأولي، بأنه بحاجة إلي فرقتين عسكريتين أمريكيتين إضافيتين قوامهما عشرة آلاف جندي من أجل تعزيز الوضع المتدهور للقوات الأمريكية. بعدها أعلن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد ـ الذي أصبح قليل الظهور إعلامياً في ذلك الوقت بسبب المأزق الذي تعيشه قواته ـ في الرابع عشر من نيسان (ابريل) تمديد خدمة عشرين ألف جندي أمريكي من العسكريين الأمريكيين العاملين في العراق بناء علي طلب الجنرال جون أبي زيد.كما أن الرئيس جورج بوش قد سبق ذلك في المؤتمر الصحفي الذي عقده في وقت متأخر من ليلة الأربعاء الرابع عشر من نيسان (ابريل) 2004 وبدا فيه محبطاً ولم يقل جديداً كما أشار معظم المراقبين حيث قال رداً علي طلب أبي زيد: إذا كان هذا ما يريده فسوف يحصل عليه . وبدا بوش متأزِّماً وهو يقول: لقد أصدرت أوامري للقادة العسكريين بعمل ما أمكن لاستخدام القوة الحاسمة إذا تطلب الأمر للحفاظ علي النظام ولحماية قواتنا .وقال: إن عواقب الفشل في العراق سيكون من الصعب تخيلها مشيراً إلي أنه في حال حدوث ذلك فإن جميع أعداء أمريكا في العالم سيفرحون، معلنين ضعفنا وتراجعنا، وسيستخدمون هذا الانتصار لتجنيد جيل جديد من القتلة في المنطقة .ورفض بوش في خطابه هذا المقارنة بين الوضع في فييتنام والعراق، ويشير المراقبون إلي أن هذا كان يعكس حجم المأزق والأزمة التي وصلت إليها القوات الأمريكية في العراق حيث كانت تعيش حالة الهزيمة. فالقوات أصبحت محاصرة في معظم المناطق، وقد كانت دائماً حريصة علي التكتم علي العدد الحقيقي للخسائر، فكانت خطتها طوال عام من الاحتلال تقوم علي أنها عندما تتعرض لكمين سرعان ما تغلق الطريق من جانبيه وتقوم بنقل القتلي والجرحي والآليات المحترقة بواسطة الطائرات المروحية، ثم تفتح الطريق فلا يستطيع أحد أن يتعرف علي حقيقة ما حدث، ومن بين عشرات الحوادث التي كانت تستهدفها يخرج بيان رسمي أمريكي يتحدث عن قتيل أو قتيلين وعدد من الجرحي، أو لا يذكر شيئاً علي الإطلاق. وقد شاهدت علي طريق ذراع دجلة في 11 نيسان (ابريل) 2004 عشرات من الآليات المدمرة لم يأت علي ذكرها أحد في المؤتمرات الصحفية للناطقين العسكريين باسم سلطات الاحتلال.وأحد الأدلة من المصادر الغربية علي التدليس في عدد القتلي من الجنود الأمريكيين ما ذكره البنتاغون أن اثني عشر جندياً قتلوا في السادس من نيسان (ابريل) 2004 في الرمادي. لكن محطة سكاي نيوز الإخبارية أكدت من خلال مراسلها في البنتاغون في ذلك اليوم أنهم مئة وثلاثون، ثم اختفي الخبر بعد ذلك بفعل الضغوط التي تمارسها الإدارة الأمريكية علي وسائل الإعلام، ولعل هذا الرقم يشير إلي تأكيدات كثير من المراقبين إلي إضافة صفر دائماً إلي جوار ما يعلنه المسؤولون الأمريكيون عن ضحاياهم.لكن لم يعد بوسع القوات الأمريكية من كثرة الكمائن أن تغلق الطرق وتفعل ما كانت تفعله من قبل، فقد أصبحت الآليات الأمريكية ملقاة علي جوانب الطرق لتكشف عن عمق المأساة وحجم الهزيمة التي وصلت إليها القوات الأمريكية في العراق تحديداً منذ بداية حصار الفلوجة ومعركتها الأولي مساء 4 نيسان (ابريل) من العام 2004 ، بل منذ قتل ضباط الأمن الأمريكيين الأربعة وسحلهم في شوارع الفلوجة في الحادي والثلاثين من آذار (مارس) 2004 ، تلك الحادثة التي أعلنت كتائب الشهيد أحمد ياسين التابعة لـ المقاومة الإسلامية الوطنية ـ كتائب ثورة العشرين مسؤوليتها عن عملية قتلهم.أما عملية سحلهم فقد تكفل بها الأطفال والعامة في الفلوجة، تماماً مثلما فعل أطفال الصومال وعامتهم عام 1993 حينما سحلوا الطيارين الأمريكيين بعد إسقاط طائراتهم المروحية، مما أدي إلي ثورة عارمة في الولايات المتحدة أدت إلي خروج القوات الأمريكية تجر أذيال الخيبة من الصومال بعد ذلك

معركة الفلوجة والإعلام

وقد أدت عملية قتل ضباط الأمن الأمريكيين الأربعة في شوارع الفلوجة في نهاية آذار (مارس) 2004 إلي نقلة نوعية في تاريخ الاحتلال الأمريكي للعراق، وكذلك في التغطيات الإعلامية الأمريكية والغربية لما تقوم به المقاومة في العراق، وفي نقل وسائل الإعلام الأمريكية لأخبار القتلي والجرحي من الجيش الأمريكي، حيث كان هناك شبه تعتيم علي أخبار الخسائر الأمريكية طوال عام من الاحتلال، لكنه أصبح عادياً بعد ذلك أن تري صور الجنود الأمريكيين في بعض وسائل الإعلام الأمريكية وعلي صدر صفحات صحف الصباح وهم إما في أكياس البلاستيك السوداء التي توضع فيها الجثث، أو جرحي يتلقون العلاج علي أيدي زملائهم ـ إلي أن تم التأكيد علي تجريم نشر الصور من البنتاغون بعد ذلك.كما أن صور الأمريكيين الأربعة الذين سُحلوا في الفلوجة والذين كانوا يعملون ضباط أمن لكبار الشخصيات في شركة بلاك ووتر التي كانت توفر الحماية للحاكم المدني الأمريكي في العراق بول بريمر وكبار الشخصيات الأمريكية الأخري في العراق، قد ظهرت في معظم الصحف الأمريكية، وعلقت صحف غربية كثيرة علي تلك الصور وربطتها بما حدث للجنود الأمريكيين في الصومال عام 1993 حيث قالت صحيفة التايمز البريطانية يوم الخميس الأول من نيسان (ابريل) 2004 : إن مشـــــاهد الفــــلوجة تذكر بما حدث في الصومال عام ثـــــلاثة وتسعين عندما تم جر جندي أمريكي في شوارع مقديشو وسط صيحات العامة والـــــغوغاء وأدت إلي انسحاب سريع للقوات الأمريكية من الصومال وترويض السياسة الخارجية الأمريكية خلال ما تبقي من التسعينيات .وسوف يؤكد التاريخ وأؤكد هنا أيضاً أن ما حدث في الفلوجة في 31 آذار (مارس) 2004 كان بداية الهزيمة للولايات المتحدة وإنهاء الاحتلال الأمريكي للعراق، تماماً كما حدث في الصومال، وإن كان اتخاذ القرار بالنسبة للانسحاب أو الهروب من العراق سوف يأخذ بعض الوقت، لأنه كما قال بوش سيستخدمون هذا النصر لتكوين جيل جديد من القتلة في المنطقة ، وقد دفع هذا الأمر الرئيس بوش إلي نفي تلك المقارنة مع الصومال وكذلك مسؤولون أمريكيون كثيرون بعدما خيَّم شبح الصومال علي الإدارة الأمريكية وأعاد إلي بوش الابن ورطة بوش الأب الذي كان دخول القوات الأمريكية للصومال من أواخر القرارات التي اتخذها قبل خروجه من البيت الأبيض في نهاية العام 1992 . وقد نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية في عددها الصادر في 13 نيسان (ابريل) 2004 صوراً واضحة للأطفال والعامة وهم يجرون جثث الأمريكيين الأربعة في شوارع الفلوجة ويعلقونــــها علي الجسور تماماً كما فعلت في العام 1993 حينما وضعت صورة الطيارين الأمريكيين وهم يسحلون في شوارع مقديشو علي غلافها، ومثل هذه الأحداث التي ربما يقوم بها العامة أو غير المسؤولين أو حتي الأطفال كثيراً ما غيَّرت مسار حروب أو غيَّرت خططاً استراتيجية لقوي عظمي، حيث سادت بعدها روح الانتقام لدي الأمريكيين

اختطاف الرهائن

كذلك جاءت عملية اختطاف عشرات الرهائن من الغربيين الذين تقف دولهم مع الولايات المتحدة، بل وحتي اختطاف جندي أمريكي وضابط أمن أمريكي قبله يُرَجَّح أنه الناجي الوحيد من الفريق الأمني الذي قتل في الفلوجة ليزيد المشهد العراقي تعقيداً أمام القوات الأمريكية.كذلك كان لعملية استهداف ثمانية من رجال المخابرات الإسبان وقتلهم قبل ثلاثة أشهر من معركة الفلوجة الأولي دور أساسي في سقوط رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ماريا أثنار وحزبه في الانتخابات التشريعية بعد ذلك، لذا كان أول قرار اتخذه رئيس الوزراء الإسباني الجديد سباتيروا في الثامن عشر من نيسان (ابريل) 2004 هو إعادة القوات الإسبانية البالغ قوامها ثلاثة آلاف جندي إلي إسبانيا مما يعني حدوث شرخ كبير في التحالف الأوروبي مع الولايات المتحدة وخسارة واحد من أكبر الحلفاء الأوروبيين تبعه آخرون بعد ذلك.كما أن خطف الإيطاليين وقتل أحدهم وضع برلسكوني ثالث الحلفاء الأوروبيين دعماً لبوش علي محك داخلي لا يقل سوءاً عن أثنار. وقد سقط برلسكوني بالفعل في الانتخابات النيابية التي جرت بعد ذلك في إيطاليا في شهر نيسان (ابريل) من العام 2006 . وكان أول قرار يعلنه خلفه رومانو برودي بعد إعلان فوزه هو سحب القوات الإيطالية من العراق.كذلك تابع الجميع أزمة الرهائن اليابانيين التي وضعت المستقبل السياسي لرئيس الوزراء الياباني في دائرة الخطر، كما قرر الروس أن يسحبوا من شاء من الروس العاملين في العراق بعد اختطاف ثمانية منهم ثم الإفراج عنهم في بغداد في الثالث عشر من نيسان (ابريل) 2004 علي اعتبار أن روسيا لم تشارك في التحالف العسكري مع الولايات المتحدة.وقد دخلت خريطة شركات الأمن والمقاولات والإعمار والنقل وكافة وسائل المشاركة لقوات الاحتلال في ضبابية أوقعت الإدارة الأمريكية في أزمة شديدة ازدادت تعقيداً مع ظهور الجندي الأمريكي كيث ماثيو ماوبين علي شاشة قناة الجزيرة ثم علي شاشات كل المحطات التلفزيونية الأمريكية والعالمية أسيراً لدي مجموعة من الملثمين التابعين للمقاومة في السابع عشر من نيسان (ابريل) 2004 واعتراف القيادة الأمريكية الوسطي باختطافه، حيث إن كل بيت أمريكي في ذلك الحين قد دخل علي الخط بمشاهدته لصورة الجندي الأمريكي بين خاطفيه العراقيين مما سبَّب قهراً كبيراً للجندي الذي كان شائعاً أنه لا يقهر، وعلم بشيء من الحقيقة التي حرصت إدارة بوش طوال عام كامل علي إخفائها تحت ذرائع عديدة، مما أثر علي مستقبل بوش السياسي ووضع إدارته علي المحك، كما أنه أدخل القوات الأمريكية في دوامة أخري من التفاوض علي الإفراج عن أسري عراقيين اعترف الأمريكيون بأن عددهم في ذلك الوقت يزيد عن اثني عشر ألفاً في سجون قوات الاحتلال

شبح فييتنام

هذه الصورة لقوات الاحتلال الأمريكية في العراق مثلت بداية لهزيمة عسكرية شاملة بدأت تخيم علي القوات الأمريكية وجعلت شبح فييتنام يخيم علي البيت الأبيض، وعلي الساسة ووسائل الإعلام في الولايات المتحدة بعد معركة الفلوجة الأولي. فرغم أن حجم الخسائر في العراق لم يصل في ذلك الوقت إلي معدلات ذروة الحرب الفييتنامية، لكن لم يكن إصرار الرئيس الأمريكي جورج بوش وحليفه الرئيسي رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في المؤتمر الصحفي الذي عقداه في البيت الأبيض بعد لقائهما في السادس عشر من نيسان (ابريل) 2004 علي تسليم السلطة للعراقيين في الثلاثين من حزيران (يونيو) 2004 دون معــــــرفة لمن ستسلم من العراقيين وما هي هذه السلطة ـ إلا تأكيداً علي حجم المأزق والورطة التـــي وقعا فيها، وبأن الهزيمة قد بدأت.كما كانت دعوتهما للأمم المتحدة للعودة للقيام بدور بعد رفضهما المطلق قبل ذلك مؤشراً هاماً علي حجم الهزيمة التي لحقت بالولايات المتحدة، وقبل ذلك كان قرار بوش في الخامس عشر من نيسان (ابريل) بإرسال نائب وزير الخارجية ريتشارد أرميتاج للمنطقة حتي يطلب من دول الخليج تهدئة من أسماهم أصدقاءنا السنَّة في العراق، علاوة علي طلب الولايات المتحدة من إيران أن تتدخل لتهدئة الوضع لدي الشيعة، وتأكيد المراقبين الذين استمعوا لخطاب بوش ومؤتمره الصحفي ليلة الرابع عشر من نيسان (ابريل) 2004 وعلي رأسهم مؤرخ شؤون الرئاسة روبرت داليك أن بوش: عندما يقف ويقول نفس الأشياء التي قالها من قبل بدون أدلة إنما يضعف موقفه . كما أكدت مجلة نيوزويك الأمريكية في عددها الصادر في 20 نيسان (ابريل) 2004 علي أن هناك قاسماً مشتركاً بين التورط الأمريكي في فييتنام والعراق ورفض الرئيس بوش لذلك، حيث أكد استطلاع نشرته في نفس العدد أن أغلب الأمريكيين يشعرون بالقلق من تحول العراق إلي فييتنام أخري حيث لا يمكن للولايات المتحدة أن تحقق أهدافها بالرغم من السنـــوات الطويلة من التورط العسكري

ليست هناك تعليقات: